إيليا التُشبي.. من مستوطني جلعاد..

نبيٌّ أقامهُ الله خلال فترة حكم الملك الشرير أخآب وزوجته الشريرة إيزابل، التي جلبت عبادة البعل إلى شعب الله، وأغوت قلب الشعب، وجعلتهُ ينصرف عن عبادة الله إلى عبادة البعل..

لكنَّ إيليا كانَ لها بالمرصاد.. فٱستخدمهُ الله في معجزة كبيرة، جعلتهُ يقتل أنبياء البعل، والأهم منها أنَّهُ أعاد قلب الشعب إلى الله:

” ٱستجبني يا رب ٱستجبني، ليعلم هذا الشعب أنَّكَ أنتَ الرب الإله، وأنَّكَ أنتَ حوَّلت قلوبهم رجوعًا، فسقطت نار الرب وأكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب، ولحست المياه التي في القناة، فلمَّا رأى جميع الشعب ذلك، سقطوا على وجوههم وقالوا: الرب هو الله الرب هو الله، فقال لهم إيليا: أمسكوا أنبياء البعل، ولا يفلت منهم رجل، فأمسكوهم، فنزل بهم إيليا إلى نهر قيشون وذبحهم هناك ” (ملوك الأول 18 : 37 – 40).

لم يكن إيليا حينها يعمل من أجل نفسه.. بل من أجل الآخرين..

كانَ لهُ غيرة لله.. دافع عنهُ أمام الشعب المرتد وأمام أخآب وإيزابل وأمام أنبياء البعل..

وكان لهُ قلب على النفوس.. على الشعب.. أراد أن يُنقذهم من الفخ الذي نصبهُ لهم إبليس، ويُعيدهم إلى الله.. ونجحَ في ذلك تمامًا..

أزعجَ ذلكَ الأمر بكل تأكيد إبليس ومملكته.. فحرَّك أولاً أخآب لكي يُخبر زوجته إيزابل، فتحرَّكت تلكَ الزوجة، وإليكم ما حصلَ عندها:

” وأخبر أخآب إيزابل بكل ما عمل إيليا، وكيفَ أنَّهُ قتلَ جميع الأنبياء بالسيف، فأرسلت إيزابل رسولاً إلى إيليا تقول: هكذا تفعل الآلهة، وهكذا تزيد، إن لم أجعل نفسك كنفس واحد منهم في نحو هذا الوقت غدًا، فلمَّا رأى ذلك قام ومضى لأجل نفسه، وأتى إلى بئر سبع التي ليهوذا، وترك غُلامه هناك، ثم سار في البرية مسيرة يوم، حتَّى أتى وجلس تحت رتمة، وطلب الموت لنفسه، وقال: قد كفى الآن يا رب، خذ نفسي لأنَّني لست خيرًا من آبائي “.

(ملوك الأول 19 : 1 – 4).

إنها إحدى خطط إبليس المشهورة.. التخويف..

وتلكَ الخطَّة نجحت ضد إيليا، وجعلتهُ يطلب الموت لنفسه.. وبالرغم من تدخل الله، ومساعدته لإيليا، وتشجيعه، لم يتراجع إيليا عن قراره، ممَّا جعلَ الله في نهاية المطاف أن يأخذهُ إليه، ويُقيم مكانه النبي أليشع..

لكن الآية الملفتة للنظر.. والتي ستكون محور تأملنا لهذا اليوم.. والتي جعلت إيليا يخاف ويخسر المعركة ويُنهي مهمته قبلَ أن تكتمل هيَ:

” فلمَّا رأى ذلك قام ومضى لأجل نفسه “.

هدَّدتهُ إيزابل، وسلَّط إبليس أرواح الخوف ضدّهُ..

فكان إيليا أمام خيارين لا ثالث لهما:

الأول: أن يُنكر نفسه.. ويستمد قوة من الله لإكمال المهمة.. وهذا ما لم يفعلهُ..

الثاني: أن لا يُنكر نفسه أو أن يمضي لأجل نفسه.. يلتفت إلى نفسه وحاجاتها.. فيخاف ويتخلَّى عن المهمة.. وهذا ما فعلهُ..

ومضى إيليا لأجل نفسه.. فطلب الموت لنفسه..

أمَّا الرب فلم يكن هكذا.. بل:

” لا تنظروا كل واحد إلى ما هوَ لنفسه، بل كل واحد إلى ما هوَ لآخرين… فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا… أخلى نفسه آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، وإذ وُجِدَ في الهيئة كإنسان، وَضَعَ نفسه وأطاع حتَّى الموت موت الصليب ” (فيلبي 2 : 4 – 8).

بولس الرسول كانَ يُدرك خطورة أن ينظر إلى ما هوَ لنفسه.. أو أن يمضي لنفسه..

فلا ننسى كلامه الذهبي الذي قالهُ لنا:

” ‎ولكنني لست أحتسب لشيء، ولا نفسي ثمينة عندي، حتَّى أتمِّم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع، لأشهد ببشارة نعمة الله‎ “.

(أعمال 20 : 24).

لم يكن يمضي لأجل نفسه.. بل على العكس لم تكن نفسه ثمينة عنده، ولذلكَ قال لنا لا ينظر كل واحد إلى ما هوَ لنفسه، بل إلى ما هوَ لآخرين، كما فعلَ إيليا في البداية.. نظر إلى ما لله وما إلى الشعب، فقتل أنبياء البعل، لكن عندما مضى لأجل نفسه خسر خدمته، ولم يتمكن من إنجاز مشيئة الله لحياته..

والرب يسوع المسيح، كممثل لنا، وكمثال نحتذي بهِ.. أخلى نفسه وهوَ الله.. وضعَ نفسه وأطاع حتَّى الموت موت الصليب..

وهوَ العارف خطورة أن نمضي لأجل أنفسنا.. قال لنا:

” … إن أرادَ أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني ” (لوقا 9 : 23).

لا يمضي لأجل نفسه.. بل يُنكر نفسه.. هذا إن أرادَ أن يأتي ورائي !!!

أحبائي: ما أخطر أن نمضي من أجل أنفسنا.. ونطلب ما لأنفسنا.. النتائج ستكون مُدمِّرة..

ملك عظيم.. ٱبن داود.. الملك سليمان.. الذي كانَ قلبه للرب.. والذي أعطاه الرب حكمة لم تكن موجودة لدى أحد..

لكن.. عندما مضى لأجل نفسه.. خسر كل شيء، ولنتأمل بكلماته، لكي تستنتج معي ماذا يحصل عندما نُركِّز على أنفسنا، وعلى ما لأنفسنا، ولا ننكر أنفسنا.. ماذا يحصل:

” فعظَّمتُ عملي، بنيت لنفسي بيوتًا، غرست لنفسي كرومًا، عملت لنفسي جنات وفراديس… عملت لنفسي برك مياه لتُسقى بها المغارس المنبتة الشجر، قنيت عبيدًا وجواري، وكـان لي ولدان البيت، وكانت لي أيضًا قنية بقر وغنم أكثر من جميع الذين كانوا في أورشليم قبلي، جمعت لنفسي أيضًا فضةً وذهبًا وخصوصيات الملوك والبلدان، ٱتخذتُ لنفسي مغنين ومغنيات وتنعمات بني البشر سيدة وسيدات… ومهما ٱشتهته عيناي لم أمسكه عنهما، لم أمنع قلبي من كل فرح… ثُمَّ ٱلتفت أنا إلى كل أعمالي التي عملتها يداي، وإلى التعب الذي تعبته في عمله، فإذا الكل باطل وقبض الريح، ولا منفعة تحت الشمس “.

(جامعة 2 : 4 – 12).

بنيت لنفسي.. غرست لنفسي.. جمعت لنفسي.. ٱتخذت لنفسي.. كانَ لي…

والنتيجة نهاية مرَّة لذلكَ الملك.. لأنَّهُ لم ينكر نفسه بل عاش لأجل نفسه..

أحبائي: من يمضي لأجل نفسه.. ولا يُنكرها.. لا يصلح للملكوت !!!

وعذرًا على هذا الكلام.. وعبارة ” لا يصلح للملكوت ” لا تعني بأنَّكَ لن تذهب إلى السماء.. فبسبب النعمة الغنيَّة، وبسبب دم الرب وإيماننا بعمله على الصليب من أجلنا، سنذهب جميعنا إلى السماء.. لكن المقصود بهذه العبارة، هوَ أنَّكَ ستبقى وحيدًا.. ستخلص كما بنار.. لن تأتي بثمر.. لا تصلح لامتداد الملكوت.. ولحروب الملكوت.. وللسير خلف الرب في كل الظروف والأحوال مهما صعبت..

والرب قال لنا بصريح العبارة:

” الحقَّ الحقَّ أقول لكم: إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت، فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير ” (يوحنا 12 : 24).

والعلاج الوحيد ما قالهُ الرب:

” وقال للجميع: إن أرادَ أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني ” (لوقا 9 : 23).

الصليب.. فقط الصليب.

فكل مرَّة لا تسمح فيها للصليب أن يجتاز في حياتك.. ستمضي من أجل نفسك.. وستتخلَّى عن المهمة التي أوكلها الرب إليك..

ولهذا قال الرسول بولس:

” وأمَّا من جهتي، فحاشا لي أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي بهِ قد صُلِبَ العالم لي وأنا للعالم ” (غلاطية 6 : 14).

أحبائي: لست أعلم لماذا يقودنا الرب في هذه الأيام إلى حياة الصليب التي نسيها أغلب المؤمنين حول العالم..

فأغلبنا كمؤمنين.. نتصفَّح الكتاب المُقدَّس، لكي نجد الآيات التي تُخبرنا عن ميراثنا في المسيح، وعن الامتيازات والبركات التي لنا في المسيح..

فرح، سلام، شفاء، تحرير، بحبوحة مادية، ٱنتصار، مجد، تبرير، غفران للخطايا… وما إلى ما هنالك من أمور مُشابهة.

وإذا فتحنا كتبنا المُقدَّسة لوجدنا خطوط عريضة ملوَّنة بمختلف الألوان، سطرناها تحت الآيات التي تؤكِّد لنا هذه الحقوق والبركات.

وهذا حق لنا بكل تأكيد.. ولا نُريد أن يفوتنا أي أمر من هذه الأمور التي منحنا إياها الرب..

لكن المؤسف في الموضوع، هوَ أنَّ الصفحات التي تتكلَّم عن الصليب وعن الآلام والاضطهادات من أجل تتميم المأمورية العظمى، لا تحمل أي خطوط ملونة لا رفيعة ولا عريضة، لا بل أحيانًا كثيرة، نجدها صفحات ما زالت جديدة وكأنها لم تُفتح يومًا من قِبَلنا !!!

أحبائي: السير وراء الرب كما يُريده هوَ.. ليس نزهة.. والصليب ليسَ سهلاً، ولعلَّ ما قالته خادمة الرب: ” كاترين كولمان ” يوضح الصورة أكثر، فهيَ قالت:

“ If you think it is easy to go to the cross, it is simply because you have never been there “.

” إذا كنتَ تعتقد أن الذهاب إلى الصليب أو حمل الصليب، أمرًا سهلاً، فذلكَ وبكل بساطة، لأنَّكَ لم تكن يومًا هناك، أو لم تُقدِم يومًا على هذا الأمر “.

حمله ليسَ سهلاً.. خاصةً يوميًا كما يطلب الرب.. لكن لا يوجد ثمر من دونه..

وحمله ليس من أجل حمله فقط.. بل من أجل السرور الذي خلفه..

” ناظرين الى رئيس الإيمان ومُكمّله يسوع، الذي من أجل السرور الموضوع أمامه، ٱحتمل الصليب مستهينًا بالخزي… ” (عبرانيين 12 : 2).

كان سروره وشهوة قلبه فداء وخلاص البشرية من النار الأبدية.. من تسلط الشيطان وأجناده على البشر، من العذاب والشقاء والأمراض والعوز و…

ولذلكَ ٱحتمل الصليب.. مستهينًا بكل شيء.. مُخليًا نفسه..

فهل شهوة قلبك أن تُكمل العمل.. تخطف النفوس من النار.. تأتي بالنهضة إلى بلدك.. تجلب السلام إلى بلدك.. تشفي المرضى.. تُعزِّي الحزانى.. تريح المتعبين…؟

لا مهرب من حمل الصليب كل يوم.. نكران النفس.. وعدم المضي لأجلها..

لنخرج من الـ ” Comfort Zone ” ” مكان الراحة ” الذي بنيناه لأنفسنا، ولنحمل صليبنا.. نُدرك دورنا في جسد الرب، نقوم به بكل أمانة مهما غلت التضحيات، ومهما أسيء فهمنا، ومهما تجرحنا، ومهما قاسينا.. لا ننام ولا نهدأ قبل أن نتمم العمل..

لا وإلاَّ سنبقى وحيدين.. لا نصلح للملكوت.. سنذهب إلى السماء.. لكن دون ثمر.. وسيضيع أجرنا كما قال الرسول بولس..

وأخيرًا لنختم بهذه الآيات المُعبِّرة التي قالها الرسول بولس أيضًا:

” لا يطلب أحد ما هو لنفسه، بل كل واحد ما هو للآخر ” (كورنثوس الأولى 10 : 24).

” لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه، بل كل واحد الى ما هو لآخرين أيضًا ” (فيلبي 2 : 4).

” على أنِّي أرجو في الرب يسوع أن أُرسل إليكم سريعًا تيموثاوس، لكي تطيب نفسي إذا عرفت أحوالكم، لأن ليس لي أحد آخر نظير نفسي يهتم بأحوالكم بإخلاص، إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم، لا ما هو ليسوع المسيح ” (فيلبي 2 : 19 – 21).

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع