قرأت قصة خلال هذا الأسبوع، وقد كانت معبّرة وذو مغزى عميق، وبينما كنت أقرأ تلك القصة، كلمني الروح القدس، وقادني لكتابة هذا التأمل.
تقول القصة، أنّ رجلاً وامرأته كانا واقفين خلف نافذة منزلهما التي تُشرف على منزل جيرانهما، وكانت الزوجة تنظر إلى بعض الملبوسات التي كانت جارتها تعلّقها على الشرفة لكي تجفّ، بعد أن غسلتها، فقالت لزوجها: متى ستتعلّم جارتي تلك، أن تنظف الثياب أثناء غسلها لها، أنظر كم هي متّسخة..
وفي اليوم التالي تكرّر المشهد نفسه، وقالت الزوجة لزوجها: ليت أحد ما يعلّمها كيف تغسل الثياب، أو يجعلها تشتري مسحوق غسيل أفضل من الذي تستعمله، أنظر كم هي متسخة ثيابهم.
وبعد يومين، وقفت الزوجة في المكان نفسه، وقالت لزوجها: يا للعجب، أنظر إلى الثياب كم هي نظيفة، من علّمها أن تغسل جيداً، أو أن تغيّر مسحوق الغسيل الذي تستخدمه؟ هل أنت من فعل ذلك؟
فأجابها زوجها بهدوء: لا لم أقم بذلك، بل ما قمت به هو أنني نظفت زجاج النافذة التي نقف خلفها وننظر إلى منزل جيراننا من خلالها.. وعندما نظف الزجاج، تسنّى لك أن تري أن الثياب نظيفة، فالمشكلة لم تكن في الثياب، بل كانت في الزجاج المتسخ الذي كنتِ تنظرين من خلاله..
أحبائي: كم هي معبّرة هذه القصة، وكم تحمل من المعاني والدروس الروحية المفيدة لنا..
وكم نحتاج أن تتغيّر نظرتنا إلى أمور كثيرة.. ليس نظرتنا كحاسة من حواس الجسم..
بل نظرتنا الروحية لشتّى الأمور..
فكم من الأمور حكمنا عليها أو أتخذنا منها موقفاً قاسياً أو سلبياً..
لأنّ الزجاج الذي كنّا ننظر من خلاله كان متسخاً !!!
يقدّم لنا الرسول يوحنا نظرتان مختلفتان لحادثة واحدة فتعالوا نتأمل معاً:
” وقدّم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أُمسكت في زنا. ولما أقاموها في الوسط، قالوا له: يا معلّم هذه المرأة أُمسكت وهي تزني في ذات الفعل، وموسى في الناموس أوصانا أنّ مثل هذه تُرجم، فماذا تقول أنت؟ قالوا هذا ليجربوه، لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه. وأمّا يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بإصبعه على الأرض، ولمّا استمروا يسألونه انتصب وقال لهم: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر. ثم انحنى أيضاً إلى أسفل وكان يكتب على الأرض، وأمّا هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكّتهم، خرجوا واحداً فواحداً، مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين. وبقيَ يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط. فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحداً سوى المرأة، قال لها: يا امرأة اين هم أولئك المشتكون عليك. أما دانك أحد؟ فقالت لا أحد يا سيد. فقال لها يسوع: ولا أنا أُدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضاً ” (يوحنا 8 : 3 – 10).

قصة الرب مع الفريسيين، قصة تحتاج إلى آلاف الصفحات للتأمل بها..
جاء لكي ينظّف الزجاج الذي ينظرون إلى الناس وإلى الأمور من خلاله.. لكنهم رفضوا..
جاء لكي ينظّف عيونهم الداخلية وقلوبهم من السواد ومن الظلمة ومن القساوة التي كانوا ينظرون إلى الأمور من خلالها ويصدرون أحكامهم القاسية..
وقعت تلك المرأة بين أيديهم، فكانت نظرتهم إليها أنها زانية وتستوجب الرجم حتّى الموت..
رأوها متسخة، كما رأت تلك المرأة ثياب جارتها متسخة..
وما فعله الرب مع أولئك القوم، أنّه جعلهم يدركون أن الزجاج الذي ينظرون منه كان متسخاً..
وعندها انصرفوا الواحد تلو الآخر.., ولم يبقَ واحداً منهم.. ولم يستطع واحد منهم أن يدينها.. فهذا ما تثبته القصة..
ونظرة الرب لتلك المرأة لم تكن كنظرة الفريسيين.. لم يبرئها، لكنه في الوقت نفسه لم يدنها..
والسبب أنّه كان رحوماً، محباً للخطأة.. يعرف أنهم مذنبون.. لكنه كان ينظر إليهم من خلال ما جاء لكي يفعله من أجلهم.. كان ينظر إليهم من خلال دمه الثمين الذي سيغطيهم عندما يتوبون ويُقبلون إليه، فرآهم نظيفين.. الزجاج الذي كان ينظر من خلاله كان مشرقاً ولامعاً..
ولهذا السبب قال للمرأة: ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضاً.
لا يفهمني أحد بطريقة خاطئة..
فلن يأتِ يوم يحب الرب فيه الخطيئة، لا بل هو يكرهها أشد كره.. لكنه في الوقت نفسه لن يأتِ يوم يكره فيه الرب الخاطئ، ولا يرحمه أو لا يعطيه فرص كثيرة للتوبة والمجيء إليه..
يقول سفر نشيد الأنشاد الذي يتكلم بلغة رمزية عن العلاقة بين الرب والكنيسة:
” سوداء أنا، ولكنني جميلة… ” (نشيد الأنشاد 1 : 5).
جميعنا سود، بسبب الخطايا التي نرتكبها كل يوم.. لكن الآب ينظر إلينا من خلال زجاج النعمة والرحمة ودم ابنه الثمين الذي يغطينا، فيرانا بلا عيب، بلا لوم، أبرار، أنقياء…
وهذا ما أريد أن أوصله لكل واحد منكم اليوم: أن ننظر بالدرجة الأولى لأنفسنا من خلال الزجاج الذي ينظر من خلاله الرب، وأن ننظر بالدرجة الثانية إلى إخوتنا، وإلى الآخرين الذين لم يتعرفوا على الرب بعد..
وعندما نفعل ذلك، كم من الأمور سوف تتغيّر.. وكم من الأحكام السابقة التي أصدرناها سوف تتغيّر..
قال الرب للفريسيين:
” … لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، فاذهبوا وتعلّموا ما هو. أني أريد رحمة لا ذبيحة، لأنّي لم آتِ لأدعو أبرارا بل خطاة إلى التوبة ” (متى 9 : 12 – 13).
يريد الرب رحمة أيها الأحباء وليس ذبيحة، إن كان في معناها في العهد القديم، أو معناها في العهد الجديد..
مواجهات كثيرة حصلت بين الرب والفريسيين، دونتها لنا صفحات الكتاب المقدس..
وكان توبيخ الرب لهم حازماً، لأنهم كانوا ينظرون من خلال زجاج متسخ، فيرون كل الناس متسخين..
قلوبهم كانت كالحجر، قاسية، ودوافعهم لم تكن محبة الله، بل كانت دوافع أنانية متمحورة حول أنفسهم ومجد ذاتهم وليس مجد الرب..
تصوّر معي أنهم لم يستطيعوا أن يفرحوا بأعمى أبصر، أو بمُقعد مشى، أو بميت قام… إن حدث ذلك في يوم سبت.. حفاظاً على تقاليد من صنعهم وليس من صنع الرب..
وهذا ما تؤكده الكلمة:
” فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم، يا مراؤون، حسناً تنبأ عنكم إشعياء قائلاً: يقترب إليّ هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه وأمّا قلبه فمبتعد عني بعيداً، وباطلاً يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس ” (متى 15 : 6 – 9).
فهل نفعل أحياناً قليلة كانت أم كثيرة، مثل الفريسيين، في الحكم على بعضنا البعض؟ أو على أنفسنا حتّى؟
سؤال أتركه لكل واحد أن يجيب عليه في هذا اليوم، تحت هيمنة الروح القدس.
تقول كلمة الله:
” الرحيم يُحسن إلى نفسه، والقاسي يؤذي ذاته ” (أمثال 11 : 17).
وهذا ما ذكرته سابقاً، لكنني أريد التوسّع فيه قليلاً، نظراً لأهمية هذا الموضوع..
فربما تكون فريسياً مع نفسك، تقسو عليها.. والنتيجة ستكون أنك ستؤذي نفسك..
ولأنك قاسٍ مع نفسك فأنت قاسٍ مع الآخرين..
وإن كنت لا ترحم نفسك، فكيف يمكنك رحمة الآخرين؟
فهناك مثل عامي يقول: ” من ساواك بنفسه، ما ظلمك “.
فأنت بالطبع قد اختبرت النعمة، عندما جئت للرب تائباً عن خطاياك، وقررت أن تسلمه حياتك.. فسامحك الرب على حساب دمه الثمين، وقبلك كما أنت..
لكنك اليوم عدت لتحيا تحت الناموس وقوانينه الصارمة، وتحاسب نفسك بقساوة، وتحكم على نفسك، وأنت اليوم تجرح نفسك وتؤذيها دون أن تدري، وبعدها تؤذي الآخرين..
وعوضاً عن ذلك ينبغي عليك أن تقبل نفسك كما أنت، تعرف أنك أسود، لكن تدرك أنك في الوقت نفسه جميل، بسبب دم الرب، ونعمته الغنية، والغافرة لكل ذنوبك..
فبدلاً من أن تجلد نفسك وتعذبها، تعال إلى الرب بمشاكلك وعيوبك وخطاياك وقيودك، ودعه يعالجها، ودعه يحررك، ودعه يريك كم يحبك.. فهو سيجعلك أن تدرك حجم الخطايا التي ترتكبها وبشاعتها، لكنه سيجعلك تدرك كم يحبك بالرغم من كل ذلك، وسيسامحك عنها كلها، فتتعلم أن ترحم الآخرين وتقبلهم وتسامحهم كما سامحك الرب..
لكن عكس ذلك، سيكون مدمّراً لك ولغيرك..
أنت تحيا في مملكة النور، مملكة النعمة الغنية، ولكنك تطبق قوانين الناموس في مملكة لا تعترف بهذه القوانين ولا تقبلها، والنتيجة أنك ستدخل السجن..
فلو حاولت تطبيق القانون اللبناني في دولة أوروبية، مخالفاً قوانين تلك الدولة، فيسدخلك رجال الشرطة إلى السجن، وسوف تعاقب..
وهكذا يحصل في ملكوت الرب، إن حاولت أن تحيا قوانين الناموس، وتخالف قانون النعمة، فسوف تُعطي الفرصة للشيطان أن يأسرك ويضعك في سجن العذاب النفسي والجسدي ربما، إذ كما قلنا:
الرحيم يُحسن إلى نفسه، والقاسي يؤذي ذاته.

فالذين جاءوا بالمرأة الزانية إلى الرب، نظروا إليها من زجاجهم المتسخ، فرأوها متسخة..
وعندما طلب الرب من الذي لم يرتكب خطيئة أن يرجمها، انصرفوا كلهم، لأنهم نظروا إلى أنفسهم من خلال نفس الزجاج المتسخ..
المرأة بقيت ونالت رحمة الرب وقبوله وغفرانه..
أما هم فلم يبقوا ولم يحصلوا على ما حصلت عليه تلك المرأة !!!
ربما تكون قد فقدت الرحمة حتى تجاه نفسك، وهذا ما جعلك تفقدها تجاه الآخرين أيضاً..
والرب اليوم يريد أن يفتقدك، يشجعك، يمسح دموعك، ويجعلك تسمع من جديد، أنه لا يدينك، لكنه يحبك محبة غير مشروطة، ويريد أن يقول لك:
اذهب بسلام، واترك أحمالك وأثقالك وقساوتك على نفسك عند قدميّ..
يريد أن يمسح الزجاج الذي تنظر منه لكي ترى الأمور بوضوح..
لكي ترى نفسك كم هي محبوبة لدى الرب بكل عيوبها وضعفاتها..
ولكي ترى الآخرين كم هم محبوبين لدى الرب بكل عيوبهم وضعفاتهم..
فتعرف أن ترحم نفسك وترحم الآخرين.. وتطلب من الرب أن يعطيك عينيه لكي ترى من خلالهما نفسك والآخرين..
وتطلب منه أن يبدّل قلبك إذا كان قد تحجّر، بقلب من لحم، قلب الرب نفسه، الكلّي الرأفة والرحمة والنعمة..
تعال إليه بكل كيانك اليوم، ودعه يصنع معك أمراً جديداً، يعيد إليك كل فرح وراحة وسلام، فقدتهم ربما من زمن بعيد، ويعيد لك بهجة خلاصك، ويزرع فيك أحشاء رأفة، فتتمتع بالحياة من جديد وتنطلق، وتخبر كم صنع بك الرب.

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع


Warning: array_splice() expects parameter 2 to be long, string given in /home/aoglb/public_html/wp-content/themes/rayoflight-theme/functions/other.php on line 36

المزيد