رسالة تشجيع من الرب لكل واحد فينا في هذا اليوم.. لأنه إله كل تشجيع وتعزية.
يريدنا أن نكون دومًا في الإرتفاع، رؤوس لا أذناب، نطأ على مرتفعاتنا، نسير من مجد إلى مجد ومن قوة إلى قوة.. يريد في هذا اليوم أن يشفي أمراضنا.. كل أمراضنا، لا سيّما النفسية منها.. يريد أن يزيل الجبال من أمامك، وأن يمهّد الهضاب التي تعترض طريقك، وأن يرفع كل وطاء في حياتك.. وأن يجعل المعوج مستقيمًا:
” كل وطاء يرتفع، وكل جبل وأكمة ينخفض، ويصير المعوج مستقيمًا، والعراقيب سهلاً ” (إشعياء 40 : 4).
يريدك أن تكون في الطليعة.. بعدما نجح إبليس أن يجعلك تسير في المؤخرة..
دع هذه الآية تدخل إلى أعماقك ونحن نتأمل معًا:
” هناك في طليعتهم بنيامين الصغير، وعلى أثره رؤساء يهوذا في جماعتهم، ثمَّ رؤساء زبولون ورؤساء نفتالي “.
(مزمور 68 : 27).
لاحظ معي دقّة الروح القدس: بنيامين الصغير في الطليعة.. وخلفه يسير كل الرؤساء.
أحبائي: من أخطر الأمور التي تواجهنا في حياتنا لا سيّما الروحية منها، هو مرض أو قيد صغر النفس، وتكاد لا تخلو شخصية ما من أعراض هذا المرض وإن تفاوتت النسب، البعض يعترف به، والبعض الآخر يُنكره.. والأخطر أن أعراض هذا المرض تظهر على أشكال مختلفة، فالبعض يعيش هذا المرض كما هوَ، يشعر بأنه أقل شأنًا من غيره، لا يرى نفسه أنه يمكنه أن يكون مع الكبار في المكانة والعمر ربمّا أيضًا، يشعر بأنّه لا يمكنه القيام بأمور كبيرة أو صغيرة حتّى، يرثي نفسه أغلب الأحيان، يشعر أنه لا يستحق أن يحصل على اهتمام أحد، حتّى الرب، يشعر أنّ الرب قد يصنع المعجزات للجميع، لكن ليس له بالتحديد، وهنا لا أتكلم عن التواضع، فالفرق بين التواضع الذي ينبغي أن نتحلّى به، وصغر النفس شاسع وكبير..
والبعض الآخر وبغية التعويض عن صغر النفس، تراهم متسلّطين، وتسلّطهم مدمّر للغاية، فرب العائلة الذي يشكو من صغر النفس تراه يتسلّط على عائلته، وإذا كانت زوجته ناجحة في الحياة ولها موقع هام، تراه يحاول أن يتسلّط عليها لكي يغطي صغر نفسه، ورب العمل أو صاحب المنصب الذي يشكو من صغر النفس، تراه يُخفي هذا المرض بتسلّطه على العاملين معه أو تحت إمرته..
ولهذا تقول كلمة الرب في سفر الأمثال:
” تحت ثلاثة تضطرب الأرض، وأربعة لا تستطيع احتمالها، تحت عبد إذا ملك… وأمة إذا ورثت سيدتها “.
(أمثال 30 : 21 – 23).
عبد إذا ملك.. وأمة أي جارية، إذا ورثت سيدتها..
بكل تأكيد أنّ الرب لا يكره ولا يزدري لا بالعبد ولا بالجارية، فهو يحبهما بقدر ما يحب الملك والسيد..
لكن ما يريد الروح القدس أن يشير إليه هنا، هو أنّ العبد والجارية كلاهما لديهما صغر نفس، بسبب موقعهما الإجتماعي وبسبب العبودية، وكما سبق وشرحنا، فإنهما في حال وصولهما إلى المُلك أو موقع سيدهما وهما يحملان في داخلهما صغر النفس، فبكل تأكيد ستضطرب الأرض تحتهما.. بسبب التدمير الذي يمكن أن يحدثانه من خلال التسلّط وحب السيطرة، بغية إخفاء شعورهما بالنقص..
ولو راجعنا الآن حساباتنا على ضوء ما قرأنا حتّى الآن، لسوف ندرك جميعنا أننا نشكو من هذا المرض ومن أعراضه..
لكن الأهم اليوم من خلال شرح الروح القدس لهذا الموضوع الخطير ليس أن نقف هنا، بل الهدف هوَ شفاءنا منه، والعيش في حرية أولاد الله..
الملك شاول كان من سبط بنيامين، وعندما التقى به النبي صموئيل، وبمجرد أن دعاه لكي يأتي ويأكل معه قال له:
” … أمّا أنا بنياميني من أصغر أسباط إسرائيل، وعشيرتي أصغر كل عشائر أسباط بنيامين، فلماذا تكلمني بمثل هذا الكلام؟ “. (صموئيل الأول 9 : 21).
أمّا عندما قرّروا أن يمسحوه ملكًا فاقرأ معي ماذا جرى:
” فسألوا أيضًا من الرب هل يأتي الرجل أيضًا إلى هنا؟ فقال الرب هوّذا قد اختبأ بين الأمتعة ” (صموئيل الأول 10 : 22).
هل لاحظنا ما يمكن أن يصنعه صغر النفس؟
كل كلامه: الأصغر.. الأصغر..
لم يرَ نفسه مستحقًا أن يُدعى من قبل النبي إلى الطعام، فكم بالحري أن يُتوّج ملكًا؟
هرب واختبأ بين الأمتعة كولد صغير.. رأى نفسه من أصغر سبط ومن أصغر عشيرة، تأصّل فيه قيد صغر النفس وجعله يتصرف كما قرأنا، ولو تأملنا من خلال صفحات الكتاب المقدس في سيرة شاول عندما مَلَكَ على شعب الله، لاكتشفنا كيف يبدو صغر النفس متحكمًا بالطريقة التي حكم فيها الشعب، ولعلّ أوضح هذه الصور تعامله مع داود، وكيف كان يريد قتله لأنّه كان أنجح منه:
” وراحت النساء الراقصات يُنشدنَ: قتل شاول ألوفه وقتل داود ربواته (أي عشرات الألوف)، فأثار هذا غضب شاول، وساء هذا الغناء في نفسه وقال: نسبنَ لداود قتل عشرات الألوف، أمّا أنا فنسبنَ لي قتل الألوف فقط، لم يبقَ سوى أن يُنعمنَ عليه بالمملكة، وشرع شاول منذ ذلك اليوم فصاعدًا يراقب داود بعين ممتلئة بالغيرة ” (صموئيل الأول 18 : 6 – 9).
تحرّك القيد.. فرأى شاول نفسه أصغر من داود، فملأته الغيرة وأمضى كل حكمه يطارد داود لكي يقتله..
ما أخطر هذا المرض أيها الأحباء..
وننتقل الآن إلى القسم الأهم وهو: العلاج.
الرب يريد أن يشفيك في هذا اليوم من صغر النفس..
أولاً لأنّه يحبك، ويعلم تمامًا قساوة هذا القيد على نفسيتك وعلى حياتك ككل، يشعر معك، يحسّ بك، وثانيًا لكي لا تكون مؤذيًا لغيرك، على صعيد العائلة والعمل والأصدقاء والخدمة..
الرب يقول لبنيامين: أنت الصغير.. لكنّني سأجعلك تسير في الطليعة.. والرؤساء خلفك..
فمن هو بنيامين؟
إنه أصغر أولاد يعقوب.. الابن الأخير الذي ولدته راحيل، وتخبرنا الكلمة عن ظروف ولادته ما يلي:
” ثم رحلوا من بيت إيل، ولمّا كان مسافة من الأرض بعد حتّى يأتوا إلى افراتة، ولدت راحيل وتعسّرت ولادتها. وحدثَ حينَ تعسَّرت ولادتها، أنَّ القابلة قالت لهـا: لا تخافـي، لأنّ هذا أيضًا ٱبنٌ لكِ، وكان عند خروج نفسها لأنها ماتت، أنها دعت ٱسمه ” بن أوني ” (ومعناه: ٱبنُ حزني)، وأمَّا أبوه فدعاه ” بنيامين ” (ومعناه: ٱبنُ يميني أو الابن المُحبب جدًا على قلبي أو الابن الداعم لي)، فماتت راحيل ودُفنت في طريق افراتة التي هي بيت لحم ” (تكوين 35 : 16 – 19).
أرادت أن تسمّيه ” ابن حزني “، فبسبب ولادته ماتت، أمّا يعقوب فرفض وسمّاه ” ٱبنُ يميني أو الابن المُحبب جدًا على قلبي أو الابن الداعم لي “.
وهذا الكلام يحمل معاني عميقة لكل واحد فينا اليوم..
على ما أعتقد أن بنيامين عرف عندما كبر بهذه القصة.. عرف بأنّه كان سبب موت أمه.. وأنّ أمّه كانت تريد أن تسميه ” بن أوني ” أو ” ابن الحزن “.. وهو الابن الأصغر.. تجمّعت الأمور كلها معًا وزادت الأمر تعقيدًا.. فكيف ستغدو شخصيته؟ صغر نفس.. شعور بالذنب…
وكم من الأشخاص بيننا تعرّضوا في طفولتهم لأحداث مشابهة، قد لا تكون كهذه الحادثة بالضبط، بل قريبة منها.. كم من الألفاظ والكلمات الجارحة والمهينة تعرضنا لهـا مـن الأهل: ” ليتك لم تولد، جئت وجلبت معك المشاكل، ليتكِ وُلدتِ صبيًا… إلخ)، وكلمات من الأقارب، من المدرسين، من أرباب العمل.. وكم من الأشخاص بيننا نُسبت لهم المسؤولية بتعاسة الغير أو تعرضّهم لمشاكل بسببهم.. أو نُسب لهم فشل الآخرين أو فشل مشاريع وأمور أخرى مشابهة.
وليس من باب الصدفة أنك تقرأ هذا التأمل.. فاللرب قصد عظيم لك من خلال هذا.. يريد أن يقول لك: ” لا بأس إن كنت الصغير.. عمرًا وشأنًا ربّما.. لا بأس إن كانوا قد نسبوا إليك ألقاب وكلمات جارحة ومهينة أو حمّلوك مسؤولية أمور معينة.. وما زالوا يعتبرونك ” بن أوني.. ابن الحزن ” لكنني أريدك اليوم أن تعلم أنني لست أراك هكذا، بـل اسمك المدوّن عنـدي هوَ ” بنيامين.. ابن يميني.. المحبب جدًّا على قلبي.. الابن الداعم لي ” إسمح لي اليوم أن أشفيك.. أن أمسح دموعك.. أن أنتزع صغر النفس والشعور بالذنب والتقصير من داخلك.. بنيامين الصغير ستسير في الطليعة والكل سيمشي وراءك “.
نعم أيها الأحباء هذه هي كلمة الرب لنا في هذا اليوم..
وفي المكان الذي حصلت فيه تلك الحادثة، طريق إفراتة التي هي بيت لحم كما يقول المقطع الذي نتأمل فيه، المكان الذي ماتت فيه راحيل، المكان الذي كانت فيه تريد أن تدعو ابنها ابن الحزن، وعندما جاء ملء الزمان.. إقرأ معي ماذا تقول كلمة الله:
” وأنت يا بيت لحم، أرض يهوذا، لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأنّ منك يخرج مدبّر يرعى شعبي إسرائيل (أي الرب يسوع) ” (متى 2 : 6).
في مكان الموت والحزن.. وفي المدينة التي دُعيت الصغرى.. وُلد ملك المجد الرب يسوع المسيح.. ليقول للجميع على مر العصور.. وليقول لك اليوم.. هناك وُلدت أنا ملك الملوك لأغيّر الأسماء.. لأغير التاريخ.. تاريخك أنت.. فأنا لا تهمّني المدن ولا يهمّني الحجر بل أنت من يهّمني.. فإن كنت الأصغر والمنبوذ وابن الحزن والشقاء، وإن كانت أيامك مملؤة باختبارات الفشل والشعور بالنقص والشعور بالرفض.. تُصبح الأكبر والمقبول والمحبّب على قلبي، والداعم لي، والذي سيسير في الطليعة.. لإلهنا كل المجد..
هل يمكن أن أختبر هذا في حياتي؟
نعم وبكل تأكيد.. فإمكانيات النجاح والتحرّر من هذا القيد ليست منك بل من الرب، والذين كانوا صغارًا وأصبحوا كبارًا وناجحين، لم ينجحوا بسبب إمكانياتهم.. بل بسبب اتكالهم على الرب القادر أن يشفيهم ويطلقهم ويغيّر أسماءهم.. وهذا ما يريد أن يفعله معك اليوم.
لقد اختار الرب داود الصغير، راعي الغنم، من بين كل إخوته ومسحه ملكًا وأنجح كل طرقه..
وعندما يتكلمون عن شمشون في المجتمعات والقصص، يصفونه بأنه بطل الأبطال، لكن الحقيقة ليست هكذا أبدًا، لم تكن القوة منه، بل من الرب، فعندما واجه الأسد، فكلمة الرب تذكر بالتحديد: أنه لم يكن شيء في يديه لكي يقتل به الأسد، لكي تؤكد لنا أنه ليس بقوته قتل الاسد، بل الكلمة تقول: حلَّ عليه روح الرب:
” فنزل شمشون وأبوه وأمّه إلى تمنة وأتوا إلى كروم تمنة. وإذا بشبل أسد يُزمجر للقائه، فحلّ عليه روح الرب، فشقّه كشق الجدي، وليس في يده شيء… ” (قضاة 14 : 5 – 6).
نعم هكذا يُصبح الأصغر كبيرًا.. يسير في الطيلعة.. عندما نأتي بهذا المرض وهذا القيد إلى الرب، فيحلّ علينا روح الرب ويغيّر كل شيء..
ومن كلمة الله أيضًا:
” فقال لها الرب في بطنك أمّتان. ومن أحشائك يفترق شعبان. شعب يقوى على شعب. وكبير يُستعبد لصغير “.
(تكوين 25 : 23).
” هذا هو الكلام الذي تكلم به الرب عليه، احتقرتك واستهزأت بك العذراء ابنة صهيون… ” (إشعياء 37 : 22).
وصغير يتسلط على كبير.. والعذراء الضعيفة والمحتقرة في حينها، ستستهزئ وستحتقر إبليس وكل حروبه وقوته..
فما هو الكبير الذي يقف في وجهك اليوم؟
ما هي الجبال والعوائق التي تمنع فرحك وسلامك وتمتعك وانطلاقتك ونجاحك.. نعم ما هي؟
قل لها كلها: وصغير يتسلّط على كبير.. أو كبير يُستعبد لصغير.. لا تُخفي الواقع الذي تعيشه.. فإخفاء الواقع لن يغيّر الأمر ولن يخرجك ممّا تتخبّط فيه.. بل اعترف بهذا الواقع وتعال به أمام الرب وقل: أنا صغير نعم.. لكـــــن.. إلهي وُلد في بيت لحم التي كانت الصغيرة بين المدن ليجعلها كبيرة.. لا بل الأكبر.. لكنه وُلد من أجلي أنا خصيصًا لكي يجعلني الأكبر.. صغير أتسلط على كل ما يبدو كبيرًا عليّ.. صغير أسير في الطليعة كما بنيامين، وخلفي يسير كل ما كان يتحكّم بي.. صغير بين كثر، لكن إلهي مسحني ملكًا ابن ملك الملوك.. صغير وربما ابن الحزن.. لكن إلهي غيّر اسمي، رفض أن أُدعى هكذا.. بل دعاني بنيامين.. ابن يمينه.. المحبب جدًّا على قلبه.. الابن الداعم له، المُحقّق مشيئته على هذه الأرض..
نعم أُرفض أن تبقى كما أنت.. أُرفض أن تبقى مقيّدًا بصغر النفس.. مُجرّح، حزين، ومؤذي لغيرك..
بل ستكون من اليوم وصاعًدا: بنيامين الصغير الذي يسير في الطليعة !!!

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع