ونتابع اليوم دراستنا عن الحرب الروحية، بعد أن توقفنا الأسبوع الماضي، بهدف إيصال رسالة من الرب، تتعلق بخطته لنا عن كيفية ربح لبنان والدول المحيطة بنا.
ولمَّا كنَّا قد تكلمنا عن موضوع ” الحاجة إلى قائد “، منذُ أسبوعين، سنتكلم اليوم عن ” كيفية حماية القائد وتشجيعه “، علـى أن نتكلم الأسبوع القادم عن موضوع ” أي قادة ينبغي أن نكون “.
أولاً أريد أن أتساءَل معك، لماذا نُشدِّد على موضوع القائد؟
لقد ذكرنا في التأمل الماضي ” الحاجة إلى قائد “، الأسباب الأساسية التي تقف وراء تشديدنا على موضوع القادة، وسوفَ أعود اليوم لأذكِّرك بأهمها، نظرًا لأهمية الموضوع.

تؤكد كلمة الله، أن نجاح الشعب في العهد القديم، ونجاح الكنائس في العهد الجديد، مرتبط بشكل أساسي بنجاح القادة، وذلكَ لأنَّ الرب يحترم السلطان، والهيكلية التي وضعها لكنائسه وخدماته على هذه الأرض، ويُعطي الخطط والقيادة اللازمة، لهؤلاء القادة الذين أقامهم، ولأنَّ إبليس يعرف هذا المبدأ تمامًا، فهوَ يُهاجم هؤلاء القاـدة، لكـي يُضعفهم ويؤذيهم، فتتشتَّت الخراف، وهـذا مـا حذَّرنا منهُ الـرب يسـوع بنفسـه عندمـا قـال: ” لأنَّهُ مكتـوب أنِّي أضرب الراعي فتتبدَّد الخراف ” (مرقس 14 : 27).

ولكن للأسف، وبالرغم من كل ما دوَّنتهُ لنا كلمة الله عن هذا الموضوع، والأهمية التي أعطتها هذه الكلمة لهذا الموضوع، ما زلنا وعوضًا عن ٱحترام قادتنا وحمايتهم وتشجيعهم والخضوع لهم ومساعدتهم، نفعل العكس تمامًا، إذ نتناولهم دائمًا في أحاديثنا بطريقة سلبية، نُركِّز على ضعفاتهم، نكشف عوراتهم، وما أن نسمع عنهم أي خبر من أي جهةٍ أتى، حتى نتبنَّى هذه الأخبار دون التدقيق بها، ونُشكك بهم، ونُطلق ضدهم هذه الأخبار بعد أن نضيف عليها نكهتنا الخاصة، والتي تُفسد الكثير من الشعب، وتجرح قلوب هؤلاء القادة، والنتيجة أننا نجلب الأذية على أنفسنا، وعلى خدمتنا، لأنَّ الرب لا يتساهل أبدًا في هذا الموضوع، وهوَ القائل:
” … لا تمسُّوا مُسحائي، ولا تُسيئوا إلى أنبيائي ” (مزمور 105 : 15).

وعوضًا عن أن نكون رجل واحد في الحرب، نُحارب معًا عدونا الوحيد إبليس، والذي لم تُخبرنا كلمة الله أنهُ ينبغي أن نُحارب غيره قطعًا، نتحوَّل لمحاربة بعضنا البعض، غير آبهين بكلمة الرب التي تقول: ” … كل مملكة مُنقسمة على ذاتها تخرب، وكل مدينة أو بيت مُنقسم على ذاته لا يثبت ” (متى 12 : 25).
لذا.. وأمام هذا الوضع الدقيق، تعال نفضح خطط العدو، ونتعلَّم معًا من كلمة الله، كيف ينبغي أن نتعامل مع قادتنا، وكيف نحميهم ونشجِّعهم؟

من يسقيني ماء من بئر بيت لحم؟
” فتأوَّهَ داود وقال: من يسقيني ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب؟ فشقَّ الثلاثة محلّة الفلسطينيين، وٱستقوا ماءً من بئر بيت لحم التي عند الباب، وحملوه وأتوا به إلى داود، فلم يشأ داود أن يشربهُ، بل سكبهُ للرب، وقال: حاشا لي من قبل إلهي أن أفعل ذلك، أأشرب دم هؤلاء الرجال بأنفسهم، لأنهم إنما أتوا به بأنفسهم، ولم يشأ أن يشربهُ، هذا ما فعله الأبطال الثلاثة ” (1 أخبار 11 : 17 – 19).

لم يطلب داود من رجاله أن يذهبوا إلى بيت لحم، لكي يأتوا لهُ بالماء، لكنهُ مجرَّد أن عبِّر عن رغبته بالشرب من هذا البئر، نرى أن ثلاثة من رجاله الأبطال، ٱقتحموا صفوف العدو، خاطروا بحياتهم، من أجل جرعة مياه لا أكثر ولا أقل، فقط لأنَّ قائدهم تمنى لو يسقيه أحد ماء من هذا البئر !!!
كم هيَ معبِّرة هذه القصة، كم كان تصرفهم يُعبِّر عن محبة غير ٱعتيادية تملأ قلوبهم تجاه قائدهم، ولو أكملتَ القصة لعرفت أنَّ داود رفضَ أن يشرب من المياه التي أتوا بها، لأنَّهُ كان من الممكن أن يكون ثمنها حياة رجاله الأبطال.

أحبائي: هذه هيَ العلاقة التي يريدها الرب أن تكون بيننا، بين الشعب والقادة، وهذه العلاقة وحدها هيَ التي تُفرح قلب الرب، وتأتي بالثمار الكثيرة، التي طال ٱنتظار الرب وطال ٱنتظارنا لنراها.

من أجل جرعة ماء لا أكثر ولا أقل.. ونحن من أجل خدمة الرب وربح النفوس.. المهمة الوحيدة التي أوكلها الرب لنا، ترانا نتهرَّب ونعتذر ونأتي بحجج وحجج، لكي لا نقوم بما يطلبه منا القادة، لا نريد أن نخرج من سفينة راحتنا، من دائرة راحة رسمناها لأنفسنا، لا بل ننهال على قادتنا، وعلى بعضنا البعض بشتَّى التهم، والكلام السلبي، نكشف عورات بعضنا البعض، غير آبهين بالنتائج.. ويبقى السؤال إلى متى؟

هل كانَ لدى داود ضعفات وتقصيرات وخطايا؟
نعم.. وبكل تأكيد.. وربما أشنع الخطايا، والكل يعرف قصة الزنى الذي ٱرتكبهُ داود مع بتثبع، ومن ثمَّ قتل زوجها.. لكن لم نسمع هؤلاء الأبطال الثلاثة يتناقشون بهذا الموضوع قبل أن يتخذوا قرارهم بالذهاب إلى بيت لحم، والمخاطرة بأنفسهم من أجل جرعة ماء، تمنى قائدهم لو يشربها، كان لهم قلب الرب الذي يستر الخطايا، ولا يكشف العورات.

ليسَ لدى إلهنا محاباة، لكي يُفضِّل شخصًا على آخر بطريقة عشوائية، ولم يُخطﺊ بكل تأكيد عندما قال عن داود أن قلبه كانَ حسب قلب الرب، بالرغم من كل أخطائه التي ٱرتكبها.. لماذا؟

رفضَ الرب شاول الملك، بعدما برهنَ شاول عن عدم طاعته للرب، وأمرَ الرب النبي صموئيل بأن يمسح داود ملكًا، وبنظر الله أصبح داود الملك الممسوح من الله، وها هوَ شاول يُقرِّر قتل داود، وها هوَ شاول يقع في قبضة داود.. لكـــن.. إقرأ معي موقف داود:
” فقال رجال داود لهُ: هوذا اليوم الذي قال لكَ عنهُ الرب، هانذا أدفع عدوك ليدك فتفعل به ما يحسن في عينيك، فقامَ داود وقطعَ طرف جبَّة شاول سرًّا، وكان بعد ذلك أن قلب داود وبَّخَهُ على قطعه طرف جبة شاول، فقالَ لرجاله: حاشا لي من قبل الرب أن أعمل هذا الأمر بسيدي، بمسيح الرب، فأمدّ يدي إليه لأنه مسيح الرب هوَ ” (1 صموئيل 24 : 4 – 6).

ملك رفضهُ الله، وملك عيَّنهُ الله مكانهُ، يقول: حاشا لي أن أؤذي سيدي.. مسيح الرب.
هل أدركتَ لماذا قال الله: داود حسب قلبي.. وهل تقول: يا رب أعطنا هذا القلب؟
هناك أكثر بعد.. ومرَّة ثانية، يقع شاول في قبضة داود بينما كان شاول يُطارده ليقتله.. لكـــن.. ” فقال أبيشاي لداود: قد حبسَ الله اليوم عدوك في يدك، فدعني الآن أضربهُ بالرمح إلى الأرض دفعة واحدة ولا أُثني عليه، فقال داود لأبيشاي: لا تُهلكهُ، فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويتبرّأ؟ وقال داود: … حاشا لي من قبل الرب أن أمدّ يدي إلى مسيح الرب، والآن فخُذ الرمح الذي عند رأسه وكوز الماء وهلمَّ… ونادى داود الشعب وأبنير بن نير قائلاً: … أَمَا أنت رجل ومن مثلك في إسرائيل؟ فلماذا لم تحرس سيدك الملك؟ لأنهُ قد جاءَ واحد من الشعب لكي يُهلك الملك سيدك، ليس حسنًا هذا الأمر الذي عملت، حيٌّ هو الرب أنكم أبناء الموت أنتم، لأنكم لم تحافظوا على سيدكم، على مسيح الرب، فٱنظر الآن أينَ هوَ رمح الملك وكوز الماء الذي كان عند رأسه “.
(1 صموئيل 26 : 8 – 16).

موقف قلب دائم وليس مزاجية، موقف قلب مُصمِّم على عدم مس مسيح الرب، هكذا كان قلب داود، لكن هذا المقطع يحمل دروسًا أعمق بعد.. فكما نجد فيه قلب داود الطيِّب تجاه مسحاء الرب، والذي ينبغي أن يكون فينا، نجد فيه تحذير واضح قالهُ داود لقائد جيشه: ” فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويتبرّأ؟ ”
نعم.. ينبغي أن يكون الدافع الذي يقف وراء عدم مسَّنا لمسحاء الرب هوَ القلب الطيِّب، لكن لننتبه لتحذيرات كلمة الله عندما لا يكون لدينا هذا القلب الطيِّب بعد، من أن نحمي أنفسنا من عواقب مس مسحاء الله !!!

ولدينا بعد أكثر.. لا يكفي أن نتجنَّب إيذاء مسحاء الله، إيذاء قادتنا، بل ينبغي أن نُدافع عنهم ونحرسهم، وهذا ما قالهُ داود لأبنير قائد جيش شاول: ” لماذا لم تحرس سيدك الملك؟ “.
سُرق رمح الملك الذي يرمز إلى السلطان، ولم تضع كلمة الله اللوم على الملك، بل على رجاله، على من كانَ يجب أن يحموه، وقالَ لهم داود أكثر:
” حيٌّ هو الرب أنكم أبناء الموت أنتم، لأنكم لم تحافظوا على سيدكم، على مسيح الرب “.
هل تحمي قادتك؟ هل تحرسهم وتحرس ما وضع الله بين أيديهم؟ هل أنتَ مستعد أن تُضحِّي، لن أقول بحياتك، بل بوقتك، براحتك، بمالك… لكي تُنفِّذ طلباتهم وتمنياتهم وتوجيهاتهم، فتُفرح قلوبهم وتشجِّعهم؟
أم ليسَ لديك الوقت لذلك، بل لديك الوقت لتتكلم عليهم بالسوء وتكشف عوراتهم وتتلذَّذ بذلك؟
أسئلة أتركها بين يديك !!!

رجال نيام.. فسُرِقَ قائدهم !!!
والقصـة نفسهـا تكـررت فـي العهـد الجديـد مـع الـرب نفسـه، فـي الساعات الأخيرة قبل صلبه، عندما قالَ لتلاميذه: ” … أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة ” (متى 26 : 40).
قد تقول لي: ” حتى ولو سهروا، لما ٱستطاعوا أن يفعلوا شيئًا، فالرب كانَ ينبغي أن يُصلب “.
لكنني أقول لكَ، أن الرب بالرغم من معرفته لما تقوله، فقد قالَ لهم هذا الكلام، فيا ليتك تسألهُ لماذا فعل ذلكَ؟
” هوَّذا تخت سليمان، حولهُ ستون جبارًا من جبابرة إسرائيل، كلهم قابضون سيوفًا، ومتعلمون الحرب، كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل “.
(نشيد الأنشاد 3 : 7 – 8).

ستون جبَّارًا.. يحرسون قائدهم.. يرفضون النوم.. وقد تعلَّموا كيف يدافعون عنهُ ويحمونه.
نعم.. إنهم متعلمون الحرب تقول الكلمة عنهم.. وليسوا متعلمون تعداد الضعفات وكشف العورات.. فهل سنتعلم اليوم ونغدو مثلهم؟ أم سنكون مثل أبنير، لا نحرس ونحمي قادتنا ونترك العدو يسرق رماحهم؟

وأخيرًا.. كلمات للتأمل..
* نوح شرب الخمر وسكر، ثم تعرَّى في خيمته، لكن كان لأولاده موقفين:
1 – ٱبنه حام رأى عورته، فذهبَ وأخبرَ إخوته على الفور.
2 – أمَّا سام ويافث، فقد أخذا رداءً وسارا إلى الخلف وألقياه على عورة أبيهما، وكان وجهاهما إلى الخلف لكي لا يريا عورة أبيهما (تكوين 9 : 20 – 23).
هل أخطأ نوح عندما شرب الخمر وسكر وكشف عورته؟ نعم بكل تأكيد، لكن ليس هذا المهم، فالمهم كيف تعامل معه أولاده؟ حام كشف عورة أبيه أمام إخوته، أمَّا سام ويافث، وبالرغم من خطأ أبيهما، آخذا رداءً وسارا إلى الخلف لكي لا يريا عورة أبيهما، وسترا له تلكَ العورة، لم يصغر في أعينهما، بقيَ ذلك الأب المحترم بالنسبة لهما بالرغم من أنه قد أخطأ.
والنتيجة كانت لعنات على حام.. وبركات على سام ويافث !!!

* ولهارون شقيق موسى رجل الله، أيضًا موقفين من شقيقه:
1 – أحدهما عندما تأخَّر موسى على الجبل مع الرب أثناء تلقِّيه الوصايا، وتصاعُدْ صيحات الملامة والشكاية من الشعب على هذا القائد: ” قُم إصنع لنا آلهة تسير أمامنا، لأنَّ هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه ” (خروج 32 : 1).
فتجاوبَ هارون مع أصوات الشكاية، وصنع ذلكَ العجل الذهبي، والنتيجة كانت:
عجل مصيره النار.. وشعب كادَ يُفنى كله لولا تشفع موسى.
2 – وموقف ثاني عندما تعبت يدا موسى بينما كان يرفع العصا على الجبل والشعب يُحارب بقيادة يشوع في الأسفل، فجاءَ هارون وحور، وأجلساه وسندا يديه، والنتيجة كانت:
– أن يشوع والشعب ٱنتصروا وهزموا عماليق وقومه.
” فلما صارت يدا موسى ثقيلتين، أخذا حجرًا ووضعاه تحته، فجلس عليه. ودعمَ هرون وحور يديه، الواحد من هنا، والآخر من هناك، فكانت يداه ثابتتين إلى غروب الشمس، فهزمَ يشوع عماليق وقومه بحد السيف ” (خروج 17 : 12 – 13).
أي موقف من موقفي هارون تؤيِّد؟

لنستقبل معًا في هذا الصباح، رسالة الروح القدس لنا، ولنفضح معًا خطط إبليس، ولنرفض كل خطيئة عالقة فينا في هذا المضمار، نتوب ونُنقِّي أنفسنا، نحب قادتنا، نجلب لهم الماء المنعش عندما يعطشون ويتأوهون، نطيعهم ونقف إلى جانبهم، نحميهم، ندافع عنهم، نستر عوراتهم، ونصلي للرب أن يحفظهم ويمسحهم، ونكون معًا رجل واحد في الحرب، نسند أيديهم ونربح الحروب معًا.. وعندها ستسير الكنيسة.. وأبواب الجحيم لن تقوى عليها !!!

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع