أحبائي: العمل عظيم لأنَّ الهيكل ليس لإنسان بل للرب الإله..

هذا الكلام قالهُ داود، عندما كان مشغولاً في بناء بيت الرب..

ونحنُ اليوم نخطو خطوات بٱتجاه بناء بيت عظيم للرب في لبنان، بيتًا ليسَ مصنوعًا من حجارة كما كان في العهد القديم، بل نحن نعمل لكي نُعلِّي ٱسم الرب يسوع المسيح في هذا البلد، نعمل لكي يمتد ملكوت الله في بلدنا، ولكي ننقض أعمال إبليس في هذا البلد، نعمل لكي نُحقِّق الرؤية التي أعطاها لنا الرب، نعمل لكي نرى الوعود والنبوءَات التي أعطاها لنا الرب تتحقَّق.. نعمل لكي نخطف النفوس من مملكة الظلمة ونأتي بها إلى ملكوت النور..

وأمام كل هذا..

أي شعب ينبغي أن نكون؟

وكيفَ ينبغي أن نعمل؟

العمل عظيم وكبير.. لأنَّ البناء هوَ للرب.. لذا تعالوا نتأمَّل معًا بما فعلهُ داود حينها:

” وقال داود الملك لكل المجمع: إنَّ سليمان ٱبني الذي وحده ٱختاره الله، إنما هوَ صغير وغضّ، والعمل عظيم لأنَّ الهيكل ليس لإنسان بل للرب الإله، وأنا بكل قوتي هيّأت لبيت إلهي الذهب لما هو من ذهب، والفضة لما هو من فضة، والنحاس لما هو من نحاس، والحديد لما هو من حديد، والخشب لما هو من خشب، وحجارة الجزع وحجارة للترصيع وحجارة كحلاء ورقماء وكل حجارة كريمة وحجارة الرخام بكثرة، ولفرط سروري ببيت إلهي، فقد قدّمت من مالي الخاص ذهبًا وفضَّةً، بالإضافة إلى كل ما أعددته للهيكل، ثلاثة آلاف وزنة ذهب من ذهب أوفير وسبعة آلاف وزنة فضة مصفّاة لأجل تغشية حيطان البيوت… فمن يتبرَّع اليوم لملء يده للرب، فتبرَّعَ رؤساء الآباء ورؤساء أسباط إسرائيل ورؤساء الألوف والمئات ورؤساء أشغال الملك، وأعطوا لخدمة بيت الله خمسة آلاف وزنة وعشرة آلاف درهم من الذهب وعشرة آلاف وزنة من الفضة وثمانية عشر ألف وزنة من النحاس ومئة ألف وزنة من الحديد، ومن وجد عنده حجارة أعطاها لخزينة بيت الرب عن يد يحيئيل الجرشوني، وفرح الشعب بما قدَّمهُ، لأنَّهم بقلب كامل تبرَّعوا للرب، وداود الملك أيضا فرح فرحًا عظيمًا، وبارك داود الرب أمام كل الجماعة وقال داود: مُباركٌ أنت أيها الرب إله إسرائيل أبينا من الأزل وإلى الأبد، لك يا رب العظمة والجبروت والجلال والبهاء والمجد، لأنَّ لك كل ما في السماء والأرض، لك يا رب الملك وقد ٱرتفعتَ رأسًا على الجميع والغنى والكرامة من لدنك، وأنتَ تتسلَّط على الجميع، وبيدك القوة والجبروت، وبيدك تعظيم وتشديد الجميع، والآن يا إلهنا نحمدك ونسبّح ٱسمك الجليل، ولكن من أنا ومن هو شعبي حتى نستطيع أن نتبرَّع بسخاء وعن رضًى؟ لأنَّ منك الجميع ومن يدك أعطيناك، لأنَّنا نحن غرباء أمامك، ونزلاء مثل كل آبائنا، أيامنا كالظل على الأرض وليس رجاء، أيها الرب إلهنا كل هذه الثروة التي هيأناها لنبني لك بيتًا لاسم قدسك، إنما هي من يدك ولك الكل، وقد علمت يا إلهي أنك أنت تمتحن القلوب وتُسرّ بالاستقامة، أنا بٱستقامة قلبي قدَّمت لكَ كل هذه، والآن شعبك الموجود هنا رأيته بفرح يتبرَّع لك، يا رب إله ابراهيم وإسحاق وإسرائيل آبائنا، ٱجعل هذه الرغبة أن تظل حيَّة إلى الأبد في قلوب شعبك، وٱحفظ قلوبهم لتبقى مُخلصة لكَ ” (أخبار الأيام الأول 29 : 1 – 18).

ليسَ مقطعًا كبيرًا.. وليست تفاصيل مملّة.. لأنَّ الكتاب المُقدَّس هوَ كلمة الله، كتبها الروح القدس وليس البشر.. والروح القدس لا يذكر تفاصيل مملّة، بل لكل ما يكتبه قصد معيَّن بكل تأكيد.. لقد كان قلب الرب فرحان كثيرًا.. عندما رأى داود وشعبه يتبرَّعون لبناء هيكل للرب.. يتبرَّعون بسخاء وبفرح.. ولذلكَ عمدَ الرب أن يذكر التفاصيل، وحجم التقدمات من الذهب والفضة والحجارة الكريمة والحديد… إلخ.

كلّنا صغار كما كان سليمان أمام عمل كبير كهذا.. أمام ربح بلد للرب.. أمام تحقيق رؤيتنا بالكامل، خاصةً عندما يبدأ إبليس بالمقاومة..

لكـــن.. هل سنقوم بهذا العمل متكلين على قوتنا؟ بالطبع لا.. لذا لنتأمل بما فعلهُ داود..

قال داود عبارات مهمَّة في هذا المقطع:

1 – وأنا بكل قوَّتي هيَّأت لبيت إلهي..

قام بالدور المُتعلِّق بهِ.. بكل قوَّته هيَّأَ لبناء ذلكَ الهيكل.. لم يعمل بفتور.. لم يكن كسولاً.. بل بجد وبنشاط قامَ بالعمل، وهذا ما ينبغي أن نتعلّمهُ من داود.. أن نعمل بكل قوتنا دون فتور، أن نُعطي عمل الله الأولوية المطلقة في حياتنا.. تقول كلمة الله في موضعين:

” ملعون من يعمل عمل الرب برخاء… ” (إرميا 48 : 10).

” كل ما تجدهُ يدك لتفعلهُ، فٱفعلهُ بكل قوَّتك… ” (جامعة 9 : 10).

وأنا لا أُريد هنا أن أضع ثقل أو دينونة على أحد، بل أُريد أن أُشجِّعك، وأحثَّك لكي تعمل عمل الله بكل قوتك، وليسَ برخاء قطعًا..

2 – ولفرط سروري ببيت إلهي، فقد قدّمت من مالي الخاص ذهبًا وفضَّةً، بالإضافة إلى كل ما أعددته للهيكل.. وفرح الشعب بما قدَّمهُ، لأنَّهم بقلب كامل تبرَّعوا للرب، وداود الملك أيضا فرح فرحًا عظيمًا..

كم هيَ مُعبِّرة هذه الكلمات التي قالها داود، وكم هيَ ثمينة، لم يشعر بالواجب عندما كانَ يعمل للرب، ولم يشعر بأنهُ ينبغي عليه أن يُتمِّم العمل، بل لسروره بأن يخدم الرب، لا بل أكثر من ذلك.. لفرط سروره.. لم يكتفي بما جمعهُ وبما هيَّأهُ، بل من ماله الخاص قدَّمَ للرب.. فقد نكون قد خصَّصنا وقت، ومال، وتضحيات، وكد، وسهر لكي نقدمهم لعمل الله، وهذا حسن جدًّا في عيني الرب.. لكننا هنا نرى أكثر.. نرى أن داود وأمام محبته للرب، وأمام فرط سروره ببيت إلهه، قدَّم من ماله الخاص، من وقت راحته، من أمور قد تبدو طبيعية لو تركتها لنفسك، لكنه وليس عن ٱضطرار، بل عن محبة غير اعتيادية ملأت قلبهُ لإلهه.. ضحَّى بالأكثر.. وهكذا قلب.. وهكذا مقاصد.. هيَ ثمينة جدًّا في عيني الرب، ولن يقف أمامها عائق مهما عظم.. هكذا ينبغي أن نخدم إلهًا لم يبخل علينا بشيء قطعًا، بل أعطانا أغلى ما عنده.. ونرى أنهُ ليس داود وحدهُ من فعلَ ذلكَ، بل كل الشعب فرح بما قدَّمهُ، لأنهم أيضًا قدَّموه بقلب كامل.. فلنتعلَّم منهم أيها الأحباء..

3 – ولكن من أنا ومن هو شعبي حتى نستطيع أن نتبرَّع بسخاء وعن رضًى؟ لأنَّ منك الجميع ومن يدك أعطيناك… أيها الرب إلهنا كل هذه الثروة التي هيأناها لنبني لك بيتًا لاسم قدسك، إنما هي من يدك ولك الكل..

العمل عظيم وكبير كما قلنا.. نعم وبكل تأكيد..

لكن.. وبالرغم من كل ما قاموا به وقدَّموه للرب من أموالهم ووقتهم وتعبهم وكدهم.. كانوا متواضعين، مُدركين أنها ليست قوتهم، والذي قدَّموه لم يكن منهم.. ولهذا قال داود تلكَ الكلمات: لأنَّ منكَ الجميع ومن يدك أعطيناك..

لم يعتبروا ما يمتلكونهُ من ثروات وأملاك هوَ مُلكًا لهم، بل ٱعتبروه ملكًا للرب، ومن يد الرب الكريمة والمعطاءَة قد حصلوا عليه، فرأوا أنفسهم وكأنهم يقدمون للرب ممَّا سبقَ وأعطاهم.. قدَّموا كل تلكَ الأشياء بفرح ودون خوف أن لا يبقى لهم ما يُمكِّنهم من العيش فيما بعد..

فمتى نغدو مثلهم؟

متى سنعتبر أن ثرواتنا وأملاكنا هيَ من يد الرب، هيَ ملكه هوَ ونحن وكلاء عليها، نُقدِّم منها لهُ ولعمله، بفرح وبسخاء ودون خوف من متطلبات الحياة، واثقين أن من نكرمه يستحق، وهوَ قادر أن يملأ ٱحتياجاتنا بحسب غناه بالمجد في المسيح يسوع؟

4 – وقد علمت يا إلهي أنك أنتَ تمتحن القلوب وتُسرّ بالاستقامة، أنا بٱستقامة قلبي قدَّمت لكَ كل هذه، والآن شعبك الموجود هنا رأيته بفرح يتبرَّع لك، يا رب، إله ابراهيم وإسحاق وإسرائيل آبائنا، ٱجعل هذه الرغبة أن تظل حيَّة إلى الأبد في قلوب شعبك، وٱحفظ قلوبهم لتبقى مُخلصة لكَ..

علمَ داود أن الرب يُسر بٱستقامة القلب، وبالقلب الكامل نحوه، ولذلكَ طلبَ منهُ أن يجعل هذه الرغبة تبقى في قلب الشعب حيَّة إلى الأبد، وطلب منهُ أن يحفظ قلب الشعب لكي يبقى مُخلصًا لهُ..

نعم يا أحبائي، عندما نعمل للرب بكل قوتنا، ونُقدِّم لهُ كل ما لدينا بفرط من السرور وليسَ على سبيل الواجب، ونتواضع أمامه مُدركين في أعماق قلوبنا، أنه ليس بقوتنا نستطيع أن نقوم بهذا العمل، وليس من قدراتنا نستطيع أن نُقدِّم لهُ، بل مما أعطانا هوَ، ونسلك أمامه بٱستقامة، سيُنجح عملنا ويُحقِّق لنا الوعود، ويجعل ملكوته يمتد في بلدنا، ويجعلنا ندوس على رقاب أعدائنا، ويجعلنا نحسم المعارك ونربحها، وسيحافظ على هذه الرغبات النقية، لكي تبقى في قلوبنا مدى العمر، وسيجعل قلوبنا مخلصة لهُ على الدوام..

وجاء بعدها من يكتب المزمور 132، ويُعطي داود حقه لما قام به ويقول:

” ٱذكر يا رب داود وكل مُعاناته، ٱذكر كيفَ أقسمَ للرب ونذرَ لإله يعقوب القدير: لن أدخل بيت سُكناي، ولن أعلو فراشي، ولن أُعطي عينيَّ نومًا ولا أجفاني نُعاسًا، حتَّى أبني مقامًا لتابوت الرب، ومسكنًا لإله يعقوب ” (مزمور 132 : 1 – 5).

هذا هوَ القَسَم الذي أقسمه داود للرب.. رفض أن يدخل بيته، وأن يعلو فراشه، وأن يُعطي نومًا لعينيه، ونُعاسًا لأجفانه، قبلَ أن يبني مسكنًا لإلهه..

وهل نسأل بعد لماذا قال الرب وفي عدة مواضع في كلمته: داود كانَ حسب قلبي..

هؤلاء هم الأشخاص الذين ينجحون في بناء ملكوت الرب في بلدانهم.. ينجحون في ربح النفوس.. ينجحون في ٱمتلاك الأراضي الجديدة.. في شفاء المرضى وتحرير المقيدين.. في جلب السلام إلى بلدانهم.. وفي.. وفي.. وفي…

أشخاص وكما يقول عنهم المزمور 84:

” … طرق بيتك في قلوبهم ” (مزمور 84 : 5).

طرق بيت الرب في قلوبهم.. الرب هوَ كنزهم الوحيد.. وكما قالَ الرسول بولس، كل شيء غير ذلك نفاية !!!

أرسلت ” نعمي ” كنتها ” راعوث ” إلى رجل يُدعى ” بوعز “، وطلبت منها أن تبيت عند أقدامه في الليل وفقًا للعادات المعمول بها حينها، لكي يتزوجها بعد موت زوجها كونه كانَ قريبها، ففعلت كما أوصتها حماتها، وعادت إليها وأخبرتها، فقالت لها ” نعمي “:

” … ٱجلسي يا بنتي حتَّى تعلمي كيف يقع الأمر، لأنَّ الرجل لا يهدأ حتى يُتمّم الأمر اليوم ” (راعوث 3 : 18).

كانت تعرف من هوَ ” بوعز “، كانت تعرف أنَّهُ رجل الله كما كانَ داود، كانت تعرف أنَّهُ لن يهدأ.. ولن ينام، ولن يعلو فراشه، ولن يُعطي عينيه نومًا حتَّى يُتمِّم كل أمور الله..

هؤلاء هم الأشخاص الذين يُفتِّش عليهم الرب اليوم، لكي يربح من خلالهم بلدان، ويربح نفوس، ويُنقذ شعوب من تسلُّط الشيطان، وينقلهم إلى ملكوت ٱبن محبته..

وأخيرًا قال الله: ” على أسوارك يا أورشليم أقمتُ حرَّاسًا لا يسكتون كل النهار وكل الليل عـلى الـدوام، يـا ذاكـري الـرب لا تسكتـوا ولا تدعوه يسكت، حتى يُثبِّت ويجعل أورشليم تسبيحةً في الأرض ” (إشعياء 62 : 6 – 7).

فيا شعب الرب في كنيسة يسوع المخلص، ويا شعب الرب في لبنان..

ٱعملوا بكل قوتكم.. ولفرط سروركم ببيت إلهكم وعمل إلهكم، قدِّموا لهُ الغالي والثمين، ولا تهدأوا قبل أن تُتمِّموا ما عليكم، ولا تدخلوا بيت سكناكم، ولا تصعدوا فراشكم، ولا تُعطوا عيونكم نومًا، ولا أجفانكم نُعاسًا، ولا تسكتوا، ولا تدعوا الرب يسكت، قبل أن يُثبِّت دعائم كنيسته وملكوته في لبنان، وقبل أن يُثبِّت دعائم لبنان، دعائم السلام في لبنان..

لأنَّه لن يستطيع أن يقف مكتوف الأيدي.. أمام هكذا مقاصد، وأمام هكذا شعب..

فمتى نفعل ذلك؟

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع