سأبدأ تأمُّلي بهذه الكلمات المُشجِّعة والمُعبِّرة، والموجَّهة إلى كثيرين في هذا اليوم:
” لا يُخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته، قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مُدخنة لا يُطفئ، حتى يخرج الحق إلى النصرة “.
(متى 12 : 19 – 20).

هل ترى نفسك في هذا اليوم كقصبة مرضوضة؟ أو كفتيلة مُدخنة؟
وللقصبة المرضوضة والفتيلة المُدخنة معنى عميق، فكلاهما لم يعودا ينفعان لشيء قطعًا..
لكن بالرغم من ذلك، فإنَّ الرب لا يقصف هذه القصبة ولا يُطفئ تلكَ الفتيلة.. لا يقطع الأمل منهما..
فلا تنسى أنَّهُ غسل أرجل يهوذا بالرغم من علمه المُسبق أنهُ سيسلمه.. وغمس لقمته في صحنه ملاطفًا إياه، قبل دقائق قليلة من خيانته لهُ..
فإن كانَ فعل ذلكَ مع أشياء لا قيمة لها كالقصبة والفتيلة، وإن كان قد غسل أرجل من كان سيخونه وسيُسلِّمه لكي يُصلب، فهو سيفعل معك الشيء نفسه، لا بل أكثر، مهما كانت حالتك اليوم.. لأنَّهُ:
” … رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة، لا يُحاكم إلى الأبد ولا يحقد إلى الدهر‏‎، لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يُجازنا حسب آثامنا، لأنَّهُ مثل ٱرتفاع السموات فوق الأرض، قويت رحمته على خائفيه، كبعد المشرق من المغرب أبعد عنَّا معاصينا، كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه، لأنَّهُ يعرف جبلتنا، يذكر أننا تراب نحن‎ ” (مزمور 103 : 8 – 14).

لا تخف أن تأتي إليه مهما كنتَ قد فعلت، لأنه يعرف جبلتك، يعرف أنكَ تراب، ويُريد أن يُبعد عنك كل معاصيك، ولن يُعاملك وفقًا لما فعلت أو ٱرتكبت من شرور ومعاصي.. لا تخجل إن كنت قد نكست عهودك معه، أو أنكرته حتَّى..
لا تسمح لصغر النفس أو للشعور بالرفض والتقصير والذنب الذين تعرضت لهم من جرَّاء ما فعلت، أن يمنعوك من المجيء إليه.. تعال إليه ودعهُ يُعالج كل جراحاتك، ويغفر كل ذنوبك، ويُصحِّح المسار من جديد..
لا تخف.. فهوَ لن يدعك أبدًا تفقد الدعوة.. لا تخف.. فهوَ لا يزال يثق بكَ !!!

غالبًا وعندما نأتي إلى الرب ونفتح قلبنا له، وننال الخلاص، ونستقبل في قلوبنا الروح القدس، نكون مشتعلين لخدمته، وهذا ما نُسمِّيه ” المحبة الأولى “، وإجمالاً فإنَّ موقفنا يكون كموقف هذين الشخصين:
” وفيما هم سائرون في الطريق قال له واحد: يا سيد أتبعك أينما تمضي ” (لوقا 9 : 57).

” قال له بطرس: … إنِّي اضع نفسي عنك، أجابه يسوع: أتضع نفسك عنِّي؟ الحقَّ الحقَّ أقول لكَ لا يصيح الديك حتى تُنكرني ثلاث مرات “.
(يوحنا 13 : 37 – 38).

لكننا جميعنا نعلم، ما حصلَ مع تلاميذ كُثُرْ قالوا هذا الكلام للرب، ثمَّ تركوه عندما صعب المسلك وكبرت الصعوبات والتحديات والتضحيات، أو عندما دخل الشيطان على الخط لإفساد الأمر، وكلنا يعرف نكران بطرس للرب، وتخلِّيه عن الدعوة لفترة، لكن ما لا نعرفه – كما ينبغي – هوَ ما فعلهُ الرب مع بطرس بالتحديد.
قد نعرف ما فعلهُ الرب مع بطرس في أذهاننا فقط، إذ نقرأه في كلمة الرب.. لكن اليوم ومن خلال هذا التأمُّل، لي ملء الثقة بأن الروح القدس سوف ينقل هذه المعرفة الذهنية إلى أرواحنا، لكي تغدو ٱختبارًا عمليًا وجزء من حياتنا، فنثق بعدها بأنَّ الرب سيفعل معنا بكل تأكيد ما فلعهُ مع بطرس، فلا يدعنا نفقد دعوتنا وخدمتنا، بل كما شفى بطرس وأصلحَ طريقه، فٱنطلق من جديد وٱستخدمه الرب بقوة عظيمة وبآيات وعجائب.. سيشفينا، فننطلق ونُستخدم بقوة، ونأتي بثمر كثير..

كيف بدأت القصة مع بطرس؟
ماذا حصل؟
وماذا فعل الرب معه؟

من البداية:
اللقاء الأول بين الرب وبطرس:
” … فنظرَ يسـوع مليًّا إلى سمعان وقال: أنتَ سمعان بن يونا، ولكنِّي سأدعوك صفا أي صخرًا ” (يوحنا 1 : 42).

نظر يسوع مليًّا.. ٱخترقت عيناه ونظرته حدود الزمن حينها.. ليرى أنَّ هذا الرجل الذي يُدعى ” سمعان بن يونا ” والذي يعني ” المتقلِّب والمتذبذب الشخصية ” سيغدو ” صفا أو بطرس ” الذي يعني صخر ويرمز إلى الثبات والقوة..
وبالرغم من كل ما حصل مع بطرس خلال ثلاث سنوات ونصف من مرافقته للرب، من تقلبات ونكران في نهاية المطاف، وتخلِّي عن الدعوة، بقيت نظرة الرب الثاقبة لهذا الرجل ثابتة لا تتغيَّر، إلى أن عاد وجعل منهُ صخرًا صلبًا، وأوكلَ إليه رعاية خرافه، وأعاد إليه الدعوة بعد أن كان قد تخلَّى عنها..

لقاء آخر:
” ولمَّا فرغ من الكلام قال لسمعان: إبعد إلى العمق، وألقوا شباككم للصيد، فأجاب سمعان وقال له: يا معلّم قد تعبنا الليل كلَّهُ ولم نأخذ شيئًا، ولكن على كلمتك أُلقي الشبكة، ولما فعلوا ذلك أمسكوا سمكًا كثيرًا جدًّا، فصارت شبكتهم تتخرَّق… فقال يسوع لسمعان: لا تخف، من الآن تكون تصطاد الناس “.
(لوقا 5 : 4 – 10).

لم تعد سمعان.. بل أصبحت بطرس..
لم تعد صيَّاد سمك.. بل صياد ناس..
وبدأت رحلة بطرس مع الرب.. ولو تأملت بالأناجيل الأربعة، مُركِّزًا على حياة بطرس وتصرفاته، لاكتشفت أنَّهُ تعرض لتقلبات كثيرة: حماس بشري.. ٱتكال على قوة ساعديه لتحقيق خطة الرب لهُ.. محاولة إقناع الرب بعدم الذهاب إلى الصليب.. وأخيرًا نكران الرب.. ومن ثمَّ العودة إلى صيد السمك مُصطحبًا معهُ ستة تلاميذ.

لم يُنكر بطرس الرب فحسب.. بل أنكر رفاقه أيضًا.. ولعنَ.. وحلفَ باطلاً أيضًا:
” وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس: حقًّا أنتَ أيضًا منهم، فإنَّ لغتك تُظهرك، فٱبتدأ حينئذٍ يلعن ويحلف، إنِّي لا أعرف الرجل، وللوقت صاح الديك “.
(متى 26 : 73 – 74).

لكنهُ الرب.. إله كل نعمة صالحة.. لا يترك خرافه أبدًا عندما يأتي الذئب إليها.. لأنَّهُ ليس أجيرًا لا تخصّه الخراف.. بل هوَ يُضحِّي بنفسه من أجلها.. ولانَّهُ لا يقصف قصبة مرضوضة.. ولا يُطفئ فتيلة مدخنة:
” … قام في اليوم الثالث وفقًا لما في الكتاب، وأنَّهُ ظهرَ لصفا (بطرس)، ثمَّ للاثني عشر ” (كورنثوس الأولى 15 : 4 – 5).
فعندما قام من الموت.. ظهرَ لصفا أولاً.. ظهرَ للصخر أولاً !!!
الكتاب المُقدَّس لا يُطلق الأسماء صدفةً.. بل لكل كلمة أو حرف فيه سبب ومغزى..
فبالرغم من كل ما فعلهُ سمعان.. تقول الكلمة ظهرَ ” لصفا “.
ما زال الرب يراه صخرًا.. وهوَ لم يتراجع عن دعوته لهُ.. ولن يتخلَّى عنهُ.. وما زال يثق فيه.. فظهرَ لهُ أولاً..
ذهب إليه ليُعالج بكاءَه المر الذي بكاه عندما أنكر الرب.. ولكي يُعالج جراحاته وشعوره بالتقصير وبالذنب وبصغر النفس وبالرفض وما شابهها من أمور.. ذهب إليه لكي يقول لهُ:
لا تخف.. ما زلت أحبك.. وأنا أُسامحك وأُريد أن أشفي جراحاتك.. أنا أثق بك..

اللقاء الأخير:
على ما يبدو أن اللقاء بين الرب وبطرس بعد قيامة الرب من الموت لم يُحقِّق كل النتائج، ولم يحسم كل الأمور، أو ربما وكما أشعر بروحي أنَّهُ لم يكن لقاءً للطلب من بطرس العودة إلى العمل والخدمة والدعوة، فقلب الرب الحنَّان، كان ٱهتمامه الأول فقط، شفاء بطرس، وبلسمة جراحه.

ثق بأنَّ الرب مهتم بكَ بالدرجة الأولى ٱهتمامًا شخصيًا، بعيد كل البعد عمَّا يُمكن أن تُقدّمه لهُ.. يُريدك أن تكون معافى.. مُتمتِّع ببركاته.. يغمرك الفرح والسلام والطمأنينة.. وكل ما ترغب فيه.. قبل أن يكون مهتمًا بما ستقوم به من أجله لاحقًا.. يُحبك كما أنت، بغض النظر عن كل ما ستفعله.. محبته غير مشروطة.. ولي مل الجرأة أن أقول لكَ: أنَّهُ حتَّى لو فقدت دعوتك، وحتَّى لو لم تقم بأي عمل من أجل الرب، فمحبته لكَ لن تتغيَّر قطعًا ولن تنقص قيد أنملة.. وقيمتك عنده غالية جدًّا.. لأنهُ يُحبك حبًّا لن يأتي يوم تُدرك عمقه ونوعه وحجمه !!!

وجاء اللقاء الأخير:
” بعدَ هذا، أظهرَ أيضًا يسوع نفسهُ للتلاميذ على بحر طبرية، ظهر هكذا، كان سمعان بطرس وتوما الذي يُقال له التوأم ونثنائيل الذي من قانا الجليل وٱبنا زبدي وٱثنان آخران من تلاميذه مع بعضهم، قال لهم سمعان بطرس: أنا اذهب لأتصيَّد، قالوا له: نذهب نحنُ أيضًا معك، فخرجوا ودخلوا السفينة للوقت، وفي تلك الليلة لم يُمسكوا شيئًا، ولما كان الصبح وقف يسوع على الشاطئ، ولكن التلاميذ لم يكونوا يعلمون أنَّهُ يسوع، فقال لهم يسوع: يا غلمان، ألعلَّ عندكم إداما؟ أجابوه: لا. فقال لهم: ألقوا الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن فتجدوا، فألقوا ولم يعودوا يقدرون أن يجذبوها من كثرة السمك… فصعد سمعان بطرس وجذب الشبكة إلى الأرض ممتلئة سمكًا كبيرًا، مئة وثلاثًا وخمسين، ومع هذه الكثرة لم تتخرَّق الشبكة، قال لهم يسوع: هلمُّوا تغدُّوا… فبعدما تغدُّوا قال يسوع لسمعان بطرس: يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء؟ قال لهُ: نعم يا رب، أنتَ تعلم أنِّي أحبك، قال له: إرعَ خرافي، قال لهُ أيضًا ثانيةً: يا سمعان بن يونا أتحبني؟ قال لهُ: نعم يا رب، أنت تعلم أنِّي أحبك، قال لهُ: إرعَ غنمي، قال لـهُ ثالثةً: يا سمعان بن يونا أتحبني؟ فحزن بطرس لأنَّهُ قال لهُ ثالثةً أتُحبني، فقال لهُ: يا رب، أنت تعلم كل شيء، أنتَ تعرف أنِّي أُحبك، قال لهُ يسوع: إرعَ غنمي ” (يوحنا 21 : 1 – 17).

عودة إلى دقة الوحي:
سمعان بطرس.. ليسَ سمعان بن يونا.. وليسَ بطرس.. بل سمعان بطرس..
اللقاء الأول حلَّ نصف المشكلة.. وجاء هذا اللقاء الأخير ليحل النصف الآخر..
لذا ينبغي أن تتقابل مع الرب لكي تعود وتتمتَّع بحبه غير المشروط لكَ، بعد تعرضك لنكسة أو لمشكلة أو لصعوبات أو لأي أمر مهما كانَ صعبًا وخطيرًا على دعوتك وخدمتك.. وهذا اللقاء هام للغاية، لكي تتأكَّد من محبة الرب غير المشروطة لكَ، ولكي تتأكَّد من قبوله لكَ مهما كنت قد فعلت.. ولكي تتأكَّد أنَّهُ لم ولن يفقد ثقته بكَ.. بل ما زال ينتظرك لكي يُعالج جراحك، ويحل مشاكلك كلّها.. ومن ثمَّ لقاء آخر، للعودة إلى العمل والخدمة والانطلاق بالدعوة من جديد.. وعندها نقفز إلى المرحلة الأخيرة:
من سمعان بطرس.. إلى صفا أو بطرس مُجدَّدًا..

لكن الرب دائمًا يُزايد بمحبته علينا.. ناداه بٱسم ” سمعان بن يونا “..
ليقول لهُ ولكَ: حتَّى ولو كنت قد خسرت كل شيء.. وتخلّيت عن كل شيء.. وعدت إلى ما كنت عليه قبل أن تعرفني حتَّى.. فأنتَ ما زلتَ ٱبني المحبوب.. ما زلت أثق بكَ.. وأنا قادر أن أبدأ معك من جديد، لأجعلك بطرس الصخر..
لذا.. لا تخف أبدًا حتَّى ولو مرَّت سنين على دعوتك وخدمتك.. وتعطلت أو تعثرت، وعدت من جديد سمعان بن يونا.. ثق أن الرب ما زال يثق بكَ، وهوَ مستعد أن يعهد إليك برعاية خرافه من جديد.. لا تعتقد للحظة واحدة أن ما قمت به من حماقات أو خطايا أو تخلّي عن الدعوة، يخفى عن الرب، أو أنَّهُ تفاجأ بما فعلت، أو أنَّهُ لم يكن يتوقَّع منكَ القيام بذلك، فهو من قال لسمعان:
” … سمعان سمعان هوَّذا الشيطان طلبكم لكي يُغربلكم كالحنطة، ولكنِّي طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك، وأنتَ متى رجعت ثبِّت إخوتك “.
(لوقا 22 : 31 – 32).

كان عارفًا كل شيء.. إنَّهُ الرب.. لكنَّهُ طلب لكي لا يفنى إيمان سمعان.. وهوَ طلبَ ويطلب وسيطلب أن لا تفقد إيمانك، وهوَ يرى أبعد من ذلكَ.. يرى أنَّكَ ستعود وسترعى خرافه من جديد.. وستُثبِّت إخوتك الذين سيتعرَّضون لما تعرّضت أنتَ له..

رسالة خاصة لكثيرين اليوم.. رسالة من الرب يقول فيها:
” لا تخافوا.. لن أدعكم تفقدون دعوتكم.. فأنا ما زلت أُحبكم محبة غير مشروطة.. لم تتأثر أبدًا بكل ما فعلتم أو تعرّضتم لهُ.. أنا أثق بكم.. وما زلت مستعدًا أن أعهد إليكم برعاية خرافي.. ما زلت أراكم ” صفا ” صخور وأعمدة في بيتي.. وأنا لم أنتظر بطرس لكي يأتي إليّ، بل أنا ذهبت إليه عندما قمت من الموت.. وذهبت ثانيةً إليه عندما عاد إلى صيد السمك.. وأنا اليوم آتٍ إليكم.. لأؤكِّد لكم محبتي غير المشروطة.. ولكي أشفي جراحكم.. وأُسامح خطاياكم.. وأُجدِّد ثقتي بكم ودعوتي لكم.. فقط ٱسمحوا لي أن أفعل، ولن تندموا أبدًا “.
فهل نسمح لهُ أن يفعل؟

أنا أُشجعك في هذا اليوم أن تسمح لهُ.. وسوف تختبر ما يمكنه أن يصنع.. لكن.. جهِّز نفسك بشباك وليس بشبكة واحدة كما فعل بطرس.. لأنَّ التعويض والسمك الكثير ينتظرانك من جديد.. وستحتاج إلى شباك كثيرة.. فلا تفوِّت الفرصة عليك.

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع