” وصية جديدة أنا أعطيكم أن تُحبّوا بعضكم بعضاً. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضاً لبعض ” (يوحنا 13 : 34 – 35).
وصية أعطاها الرب لتلاميذه.. ولنا من بعدهم.. أن نحب بعضنا بعضاً.. وهذا الأمر إن سألت جميع المؤمنين عنه، فإجاباتهم ستكون بكل تأكيد أنهم يعرفونه، وأنهم يفلعون ذلك..
لكن اليوم قادني الروح القدس أن نتأمل بالعبارة التي تلت وصية الرب لتلاميذه ولنا، بأن نحب بعضنا البعض وهي:
كما أنا أحببتكم..
لكي نكتشف إن كنّا نحب بعضنا البعض..
لكن كما أحبنا الرب. ليس أي حب.. بل كما أحبّنا الرب !!!
فماذا تعني هذه العبارة: كما أنا أحببتكم؟
أولاً سنجد في هذه الآيات قسم من الإجابة، وسوف نستعرض باقي المعاني في تأملنا:
” هذه هي وصيتي: أن تُحبّوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم. ليس لأحد حب أعظم من هذا، أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه. أنتم أحبائي إن فعلتم ما أوصيكم به ” (يوحنا 15 : 12 – 14).
علامة الحب الحقيقي هوَ أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه..
وهذا ما فعله الرب على الصليب..
وقد يكون هذا الأمر سهل عندما يتعلق بأن نضع أنفسنا أو أقله عندما نضحي ونسامح ونساعد أحباءنا.. وهذا ما قاله الرسول بولس:
فإنّه بالجهد يموت أحد لأجل بار. ربّما لأجل الصالح يجسر أحد أيضاً أن يموت، ولكن الله بيّن محبته لنا لأنّه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ” (رومية 5 : 7 – 8).
لكن.. الله بيّن محبته لنا إذ مات المسيح من أجلنا ونحن بعد خطاة..
أي بعيدين عنه.. أعداء له بالفكر والقول والعمل، شتّامين، زناة، غير رحومين، غضوبين، متكبرين، محبين لأنفسنا، سارقين، أنانيين وما إلى ما هنالك من أفعال مشابهة..
هكذا أحبّنا الرب.. وهكذا محبة طلب منّا أن نبديها لبعضنا البعض.
كما أن أحببتكم.. أي:
كما أحبّ الزانية ولم يدنها بل سامحها وأطلقها..
كما أحبّ بطرس عندما أنكره، وكان أول من أظهر نفسه له..
كما أحب يهوذا بالرغم من معرفته المسبقة بأنه سيخونه وسيسلمه..
كما أحب الذين صلبوه، إذ قال: يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون..
وكما أحب كل الخطاة الذين سبق ذكرهم بالرغم من كل ما فعلوه به..
هكذا أحبّنا الرب.. قائلاً: أحبّوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم..
وهنا يأتي السؤال: هل نحب بعضنا بعضاً كما أحبّنا الرب؟
على ما أعتقد أننا لو كنّا حقيقيين وصادقين مع أنفسنا، فإنّ إجابتنا ينبغي أن تكون: لا.
لكن لا ينبغي أن نبقى على هذه الحال، بل ينبغي أن نبدأ من مكان ما، لكي نطيع وننفّذ وصية الرب هذه..
هذا إن أردنا ان نكون تلاميذه وأن يعرف العالم أننا تلاميذه، وأن نكون أحباءه كما قال لنا:
بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضاً لبعض.. وأنتم أحبائي إن فعلتم ما أوصيكم به.
لنبدأ بما قاله الرسول بولس أولاً:
” ليُرفَع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خبث. وكونوا لطفاء بعضكم نحو بعض، شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضاً في المسيح، فكونوا متمثلين بالله كأولاد أحباء، واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة ” (أفسس 4 : 31 – 5 : 2).
لا نجد في الكنائس كلّها سوى الخصومات والنزاعات والتنافس، سواء كانت علنية أم مخبّأة في القلب.. ونحتاج أن نفتش بدقة لكي تظهر لنا محبة الإخوة لبعضهم البعض.. وأقصد بالمحبة التي طلبها الرب، أي كما هو أحبنا..
الأغلب مجروحين من بعضهم البعض.. منغلقين على أنفسهم.. منعزلين عن بعضهم البعض.. اللقاءات جافة أو شكلية.. والشكايات والتذمّرات من بعضنا البعض كثيرة، والكنيسة موزعة جماعات جماعات.. والسبب: نرتاح لهؤلاء لكننا لا نرتاح للآخرين..
لكن هذا الوضع هو ضد الوحدة التي طلبها الرب.. وهذا يُبعد عنا البركة والثمر الكثير أيها الأحباء..
والسبب لكل ذلك واحد لا يوجد سواه: لا نحب بعضنا البعض كما أحبنا الرب..
لأنّ الرسول بولس قال:
” المحبة تتأنّى وترفق. المحبة لا تحسد. المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تقبّح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء ولا تفرح بالإثم، بل تفرح بالحق، وتحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء “.
(1 كور 13 : 4 – 7).
والرسول بطرس قال: ” ولكن قبل كل شيء لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة، لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا “.
(1 بطرس 4 : 8).
هكذا تفعل المحبة.. محبة الرب.. عندما تكون بداخلنا:
تُهان، فتسامح وتحب..
لا تُقدَّر، فتسامح وتحب..
يُساء فهمك، فتسامح وتحب..
تُشتم، فتبارك وتحب..
تُضطهد، فتسامح وتحب..
تكتشف خطايا وعورات غيرك، فتسترها وتحب..
تحمل أثقال الآخرين.. تحارب حروبهم.. ترفعهم بالصلاة أمام عرش النعمة..
لأنّ المحبة لا تسقط أبداً يا أحبائي..
ولو فعل كل واحد منّا هكذا أيها الأحباء.. عندها فقط سنغدو كنيسة مباركة ومثمرة.. يدخل الناس إليها فيعرف أننا تلاميذ المسيح.. ونكون شهادة حيّة لهم.. وتكون حياتنا جاذبة لهم لكي يتشوّقوا لمعرفة الرب..
فلكي تُجذَب النفوس إلى الرب، ينبغي أن يجدوا فينا ما لا يمكن أن يجدوه في أنفسهم أو في العالم.. وإلاّ لماذا سيختاورن الإنضمام إلى عائلة الله !!!
ينبغي علينا أن نكون عائلة واحدة.. نفس واحدة.. رجل واحد في الحرب وفي الضيقات، ففي وسط هذه التحديات والحروب والضيقات التي نمر بها، فنحن محتاجين أكثر من أي وقت أن نكون سند لبعضنا البعض، ملتفين حول بعضنا البعض، داعمين لبعضنا البعض، وليس أن نكون بعيدين عن بعضنا البعض، مشتتين، جافين في العلاقة مع بعضنا البعض.. فعدونا واحد وهو إبليس، ولسنا أعداء لبعضنا البعض..
فعندما نقول أننا نحب بعضنا البعض.. فنحن على الأرجح أننا نحب من يحبوننا، ونُحسن إلى الذين يُحسنون إلينا.. لكن هذه الأمور يفعلها أهل العالم والخطاة، وهذا ما أكّده الرب بنفسه عندما قال:
” وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم هكذا، وإن أحببتم الذين يحبونكم فأي فضل لكم. فإنّ الخطاة أيضاً يُحبّون الذين يُحبّونهم، وإذا أحسنتم إلى الذين يُحسنون إليكم فأي فضل لكم، فإنّ الخطاة أيضاّ يفعلون هكذا، وإن أقرضتم الذين ترجون أن تستردوا منهم، فأي فضل لكم، فإنّ الخطاة أيضاً يقرضون الخطاة لكي يستردوا منهم المثل. بل أحبّوا أعداءكم واحسنوا واقرضوا وأنتم لا ترجون شيئاً، فيكون أجركم عظيماً، وتكونوا بني العلي، فإنه منعم على غير الشاكرين والأشرار “. (لوقا 6 : 31 – 35).
” وأمّا أنا فأقول لكم: أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مُبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فإنّه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويُمطر على الأبرار والظالمين “.
(متى 5 : 44 – 45).
كما أن أحببتكم..
أي أن نحب الذين لا يحبوننا، وأن نُحسن إلى الذين لا يُحسنون إلينا، أن نبارك لاعنينا، وأن نصلي للذين يُسيئون إلينا.. وأن نحب حتّى أعداءنا.. فإذا كان هذا المستوى هو المطلوب منّا.. فكيف لا يمكننا محبة إخوتنا الذين نعيش معهم ونخدم معهم ونكرز معهم؟
أحبائي: دُعينا لكي نكرز للخليقة أجمع بالبشارة.. أي للخطاة الذين لا تربطنا بهم أي صلة وعلاقة غالباً.. وقد نتعرّض للاضطهاد والخطر والصعوبات والتحديات.. لكن ما يجعلنا نستمر ونكمل الدرب هي محبتنا للرب ومحبتنا للنفوس الضالة..
فإن كنّا لا نستطيع أن نحتمل بعضنا البعض وأن نحب بعضنا البعض، فكيف سنحب الخطاة والبعيدين عنّا؟
وقد يقول البعض أنا أحب الرب كثيراً.. ولكنني لا أستطيع محبة البعض لأسباب كثيرة وجوهرية.. لكن الكلمة اليوم تقول لنا جميعاً:
” إن قال أحد إنّي أحب الله وأبغضَ أخاه فهو كاذب، لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره، كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره؟ ولنا هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً ” (1 يوحنا 4 : 20).
أحبائي: إنّه الوقت لكي نعطي كلمة الله الفرصة لكي تفضح دواخلنا وتحكم على دوافعنا وتصرفاتنا، لكي نصلح الأمور، ونتوب جميعنا، ونتوحد من جديد، ونحب بعضنا البعض.. لكن هذه المرة كما أحبنا الرب تماماً، وليس أي حب آخر..
وتعال أخيراً نجري هذا الاختبار معاً.. فكّر في شخص ما تحبه كثيراً.. وهنا سيذهب فكر الآباء والأمهات غالباً نحو أولادهم.. واسأل نفسك ماذا ستكون ردّة فعلك عندما يخطئ هذا الشخص إليك أو يُسيء معاملتك أو لا يكون لطيفاً معك..
بالطبع قد تستاء قليلاً، لكن لوقت قصير.. لتعود من بعدها وتسامحه، وتبرّر تصرفاته، وتدافع عنه، وتُقنع نفسك بأن عمله مبرّر، وتجد له الأعذار..
هل تعرف السبب؟
السبب واحد فقط: إنّك تحبه
هكذا يا أحبائي ينبغي أن تكون علاقتنا مع بعضنا البعض.. لا بل أن نجعلها تنمو كل يوم.. لكي نصل إلى مرحلة نحب فيها بعضنا البعض كما أحبّنا الله..
وأمر أخير هام..
لا تحاول أن تفعل ذلك متكلاً على محبة قد تجدها في ذاتك.. فكلنا لن نجد.. لكن لا تنسى أن الله لم يتركنا يتامى.. بل أرسل لنا الروح القدس.. لكي يعين ضعفنا.. ولا تنسى أنّ أول ثمار الروح القدس التي ذكرتها لنا كلمة الله هي: المحبة.. ولا تنسى أن محبة الله غير المشروطة، المحبة التي أحبنا إياها الرب، قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس:
” وأمّا ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان وداعة تعفف… ” (غلاطية 5 : 22 – 23).
” … لأنّ محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا ” (رومية 5 : 5).
ولذلك أطلب منه أن يملأك بمحبة الله نفسها كل يوم، فالملء بالروح القدس، هو وحده الحل الصحيح، والذي سيجعلك تحب وتحب وتحب… في كل الظروف، وتحت وطأة كل ما قد تُواجه به..
لنحب بعضنا البعض كما أحبنا الرب.. ولنثق أن المحبة لا تسقط أبداً، وأن الثمر الذي ينتظرنا سيكون كثيراً لكل واحد فينا وللكنيسة وللملكوت.

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع