” لكن ما كان لي ربحًا، فهذا قد حسبتهُ من أجل المسيح خسارة، بل إنِّي أحسب كل شيء أيضًا خسارة، من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي، الذي من أجله خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح ” (فيلبي 3 : 7 – 8).

هل نحن اليوم مستعدين لخسارة كــــــــــل شيء من أجل المسيح؟

فكِّر بأغلى ما عندك.. كل ما تملك.. وكل ما تحلم أن تُحقِّقهُ.. وحاول أن تتخايل أنك ستتخلَّى عنهم من أجل المسيح..

الرسول بولس كانَ يحسب كل شيء نفاية، ليُتمِّم دعوة الله لهُ، وما زرعهُ الله في داخله..

لا بل أكثر.. فحتَّى نفسهُ لم تكن ثمينة عنده:

” ‎ولكنني لست أحتسب لشيء، ولا نفسي ثمينة عندي، حتَّى أُتمِّم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع، لأشهد ببشارة نعمة الله‎ “.

(أعمال 20 : 24).

الله بحاجة اليوم إلى أشخاص لا يحتسبون لشيء، ولا نفسهم ثمينة عندهم، حتَّى يُتمِّموا بفرح.. دون تذمُّر.. دعوة الله لحياتهم.

هذا ليسَ بالأمر السهل بكل تأكيد.. لكنَّ الله هوَ العامل فينا أن نريد وأن نستطيع، والمفتاح الأساسي هوَ الإيمان والثقة.. ومحبتنا للرب من كل قلوبنا..

على قدر ما أحبّنا الله، وعلى قدر ما تختبر عظمة محبته لكَ، ستثق به أكثر فأكثر.. وستكون مُستعدًّا أن تتخلَّى عن أغلى ما لديك.. وحتَّى عن حياتك من أجله ومن أجل تحقيق ما دعاك إليه.

وَعَدَ الله إبراهيم بأن يمنحهُ نسل كعدد نجوم السماء.. وٱنتظرَ إبراهيم سنين طويلة، ورغم الإخفاق الذي تعرَّضَ لهُ من خلال إنجاب إسماعيل، فقد تحقَّق وعد الله لهُ، وأنجبت سارة إسحاق ٱبن الموعد..

كانَ إسحاق أغلى ما عند إبراهيم، وأملهُ الوحيد، فقد تقدَّم إبراهيم بالسن، وكانَ إسحاق يُمثِّل بالنسبة لهُ الوريث الوحيد، والسبيل الوحيد لتحقيق الوعد بالنسل الكثير..

وها هوَ إبراهيم يجد نفسهُ أمام تحدٍّ غريب وصعب:

قدِّم ٱبنك وحيدك.. أملك الوحيد والسبيل الأوحد لتحقيق الوعد.. ذبيحة لله !!؟

لم يكن الله يُريد أن يأخذ إسحاق من إبراهيم، لأنَّ وعوده وعطاياه بلا ندامة.. وهوَ لا يتراجع عن تحقيق ما سبقَ ووعدَ بهِ.. ولكن ما أراداه الله من خلال هذا الامتحان.. هوَ إبراهيم..

كان الله يريد أن يبقى الأول في قلب إبراهيم.. لا وجود لأحد آخر قطعًا قبلهُ.. كائنًا من يكن..

ونجح إبراهيم في ذلكَ الامتحان الغريب والصعب.. والسبب كانَ ثقته وإيمانه بالله:

” وبالإيمـان، إبراهيـم أيضًا لمَّا ٱمتحنهُ الله، قدَّمَ إسحـاق ٱبنـهُ، فإنَّهُ إذ قَبِلَ وعـود الله، قدَّمَ ٱبنـهُ الوحيـد ذبيحـة، مـع أنَّ الله قـالَ لهُ: بإسحـاق سـوف يكـون لكَ نسلٌ يحمـل ٱسمـك ” (عبرانيين 11 : 17 – 18).

بالإيمان أرضى إبراهيم الله.. ولم يفقد إسحاق.

ولكن ذلكَ الإيمان.. وتلكَ الثقة كانا كبيرين.. لأنهما نتاج محبَّة إبراهيم لله..

فعندما تُدرك محبتهُ غير المشروطة لكَ، وبقوة الروح القدس تُبادلهُ هذه المحبَّة.. ستتمكَّن من أن تحسب كل شيء.. وحتَّى نفسك نفاية من أجله.. فالكلمة تقول:

” … الإيمان العامل بالمحبة ” (غلاطية 5 : 6).

لا تسمح لأي شيء أو لأي خدعة من العدو، إن كان أفكار أو أحداث أن تُنسيك محبة الله لكَ.. والرسول بولس.. شاهد عيان على هذا الكلام الذي نقوله، فهوَ الذي تعرَّض لشتَّى أنواع الحروب والتجارب والاضطهاد والخيانة و…

بقيَ مُدركًا ومُختبِرًا لمحبة الله الفائقة، التي كانت دائمًا تُقوِّيه وتُشجِّعهُ فقال:

” من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدّة أم ضيق أم ٱضطهاد أم جوع أم عُري أم خطر أم سيف، كما هو مكتوب: أننا من أجلك نُمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح، ولكننا في هذه جميعها يعظم ٱنتصارنا بالذي أحبَّنا، فإنِّي مُتيقِّن أنهُ لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أُخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا ” (رومية 8 : 35 – 39).

محبة الله لنا في المسيح يسوع..

والتي أظهرها الله لنا من خلال صليب الرب يسوع المسيح.. الذي تحمَّلَ الهزء.. الاذلال.. العُري.. والإحصاء بين أثمة ولصوص.. و… وكل ذلكَ من أجلنا ونحنُ بعد خطأة !!!

فإن كان لديك صعوبة في إدراك محبة الله لكَ.. يكفي أن تتامَّل قليلاً في عمل الصليب.. لكي ترى الله الابن الذي تجسَّدَ.. بعد أن أخلى نفسه آخذًا صورة عبد.. تاركًا كل مجده لكي يموت من أجلك رغم عدم ٱستحقاقك.. لم يحسب شيء ثمين ولا حتَّى نفسه من أجلك !!!

لأعود هنا وأسأل: هل نحن مستعدين أن نخسر كل شيء من أجل المسيح وإتمام دعوته على حياتنا وعلى كنيستنا؟

بالطبع لا يُمكنني أن أُجيب عوضًا عن أي شخص.. لكنني أستطيع أن أُجيب عن نفسي.. والجواب حتَّى هذه الساعة هوَ:

لا !!!

” إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح ” (فيلبي 2 : 21).

ففي أغلب الأحيان، وحتَّى عندما نخدم الرب، نطلب ما لأنفسنا ولمجدنا ولرغباتنا وشهواتنا !

نحنُ نبني بيوتنا وهيكل الرب مهدوم.. كما تقول الكلمة:

” … من أجل بيتي الذي ما برحَ مُهدَّمًا بينما كل واحد منكم مُنهمك في بناء بيته ” (حجي 1 : 9).

لكن الخبر السار اليوم لكل واحد منَّا هو أنَّهُ:

” لأنَّ الله هو العامل فيكم، أن تُريدوا وأن تعملوا، من أجل المسرّة، ٱفعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مُجادلة، لكي تكونوا بلا لوم وبسطاء، أولادًا لله بلا عيب، في وسط جيل معوج وملتوٍ، تُضيئون بينهم كأنوار في العالم ” (فيلبي 2 : 13 – 15).

كل ما عليك أن تفعلهُ، هوَ أن تُلقي نفسك بين يدي الله، تأتي أمامهُ بتواضع حقيقي، وهوَ الذي سيعمل فيك لكي تُريد وتستطيع في الوقت نفسه.. ولكي تُضيء في وسط جيل معوج وملتوِ..

لم يكن الله يُريد أن يأخذ إسحاق من إبراهيم بالمعنى المادي.. وقد لا يأخذ منكَ شيء بالمعنى نفسه أو قد يأخذ.. لكن المغزى الأساسي أن يكون الله هوَ الأول في حياتك.. المُتربِّع الوحيد على عرش قلبك.. ولا يُجاوره أي عرش آخر.. فهوَ فاحص القلوب ومُختبر الكلى ولا يخفى عليه أمر.. وهدفهُ من كل ذلك أن تكون جاهزًا ومستعدًّا لكي يُحقِّق من خلالك ما سبقَ وأعدَّهُ لكَ ولكنيستك ولبلدك.

اليوم ينبغي أن ننسى ما وراء ونمتد إلى الأمام.. نتخلَّى عن أمور العالم وشهوات الجسد، ونحيا حسب الروح من جديد.

” ليكن حلمكم معروفًا عند جميع الناس، الرب قريب، لا تهتموا بشيء بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتُعلم طلباتكم لدى الله، وسلام الله الذي يفوق كل عقل، يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع ” (فيلبي 4 : 5 – 7).

هذا هوَ حلمنا الأساسي، أن نرى الرب.. ولكي نراه ينبغي أن نُتمِّم ما دعانا إليه، لكي نُسرِّع مجيئهُ الثاني..

الرب يستخدم كل واحد منَّا بحسب دعوته وبحسب مواهبه.. وبحسب إيمانه.. وبمدى ٱنفتاحه للعمل المُعد لهُ..

ٱستسلم لعمل الله في حياتك، وثق بوعوده وبمحبته، وثق بأنَّ ما أعدَّهُ لكَ هوَ خطط سلام، وأجمل جدًّا ممَّا نفتكر أو نتصوَّر، وبكل تأكيد أجمل ممَّا قد تصل إليه لو حاولتَ أن تُدير أمورك بنفسك..

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع


Warning: array_splice() expects parameter 2 to be long, string given in /home/aoglb/public_html/wp-content/themes/rayoflight-theme/functions/other.php on line 36

المزيد