” بيت إيل ” ومعناه ” بيت الله “.
العودة إلى بيت إيل..

وكم من المرَّات، ونحنُ في هذا الجسد، ينبغي علينا العودة إلى بيت إيل.. إلى بيت الآب.. بعدما نكون قد خرجنا منهُ..
والخروج من بيت إيل.. لهُ أشكال عديدة.. وطرق عديدة.. وأسباب عديدة..
فبعض المرات نخرج لفترة طويلة.. وبعض المرات نخرج لفترة قصيرة..
لكن.. مهما كان نوع ومدة هذا الخروج، المهم أن نتعلَّم دومًا العودة إلى بيت إيل:
– سريعًا..
– وبالطريقة الصحيحة.

فَعَلَهَا الابن الضال، وخرجَ من بيت أبيه.. من بيت إيل..
وٱنغمسَ في الخطيئة.. ولكنهُ قرَّر بعدها العودة إلى بيت أبيه.. وقال:
” سأقوم وأعود إلى بيت أبي، وأقول لهُ: يا أبي أخطأت إلى السماء وأمامك، ولا أستحق بعد أن أُدعى ٱبنًا لكَ، ٱجعلني كواحدٍ من خدَّامك المأجورين “.
(لوقا 15 : 18 – 19).

ذلكَ الابن لم يُراعِ المبدأين اللذين أدرجناهما، العودة سريعًا وبالطريقة الصحيحة..

أطال المدَّة التي قضاها بعيدًا عن بيت إيل، وعادَ بالطريقة الخاطئة..
أذلَّتهُ الخطيئة، وجعلتهُ يشعر بالذنب وبصغر النفس وعدم الاستحقاق.. أفقدتهُ الشعور بالبنوَّة.. وجعلته يطلب من أبيه أن يكون عبدًا مأجورًا وليسَ ٱبنًا..
لكن ذلكَ الأب المحب لم يسمح لهُ أن يُكمل كلامه.. بل سمع منهُ الكلام الضروري فقط، والمُعبِّر عن ٱعترافه بخطأه وتوبته.. وقاطعهُ متوجهًّا إلى خدمهِ بالأوامر اللازمة لكي يُكرموه: أفضل ثوب.. خاتم في إصبعه.. حذاء في قدميه.. عجل مُسمَّن.. وٱحتفال بالعودة إلى بيت إيل..

أحبائي: ما دُمنا في هذا الجسد، فإنَّ الشيطان سيُحاول دومًا وجاهدًا أن يُخرجنا من بيت الآب.. من بيت إيل.. مُستخدمًا شتَّى الطرق.. وغالبًا حتَّى لا نقول دائمًا.. تبدأ الأمور بشكل أفكار يُقدّمها لنا هذا العدو الماكر، فإن لم نكن مُتنبِّهين، فسوف ننخدع وننجذب ونخرج من بيت الآب.. أنتَ لستَ مسؤولاً بالطبع عن حجم ونوع الأفكار التي يحاول الشيطان أن يغرسها في ذهنك، لكنك مسؤول بكل تأكيد عن الموقف الذي تتخذه من هذه الأفكار..

هل تستأسرها إلى طاعة المسيح، وترفض التجاوب معها، أم تتركها تستقر وتُعشش في ذهنك لكي تُنتج من بعدها أفعال تُخرجك من بيت إيل؟ يقول الرسول يعقوب:
” ولكن كل واحد يُجرَّب إذا ٱنجذب وٱنخدع من شهوته، ثُمَّ الشهوة إذا حبلت تلد خطيئة، والخطيئة إذا كملت تُنتج موتًا ” (يعقوب 1 : 14 – 15).
كلام واضح لا يحتاج إلى تفسير..

سنتأمل معًا في السياق نفسه، من سفر التكوين، عن قصة ٱغتصاب دينة ٱبنة يعقوب، لكي نستخلص منها معًا دروس وعِبَر:
” وخرجت دينة ٱبنة ليئة التي ولدتها ليعقوب، لتنظر بنات الأرض، فرآها شكيم ٱبن حمور الحوّي رئيس الأرض وأخذها وٱضطجع معها وأذلّها، وتعلقت نفسه بدينة ٱبنة يعقوب وأحبَّ الفتاة ولاطف الفتاة، فكلَّم شكيم حمور أباه قائلاً: خذ لي هذه الصبيَّة زوجة، وسمع يعقوب أنَّهُ نجَّس دينة ٱبنته، وأمَّا بنوه فكانوا مع مواشيه في الحقل، فسكتَ يعقوب حتى جاءوا، فخرج حمور أبو شكيم إلى يعقوب ليتكلَّم معه، وأتى بنو يعقوب من الحقل حين سمعوا، وغضب الرجال وٱغتاظوا جدًّا لأنَّهُ صنع قباحة في إسرائيل بمضاجعة ٱبنة يعقوب، وهكذا لا يُصنع، وتكلَّم حمور معهم قائلاً: شكيم ٱبني قد تعلّقت نفسه بٱبنتكم، أعطوه إيَّاها زوجة وصاهرونا، تعطوننا بناتكم وتأخذون لكم بناتنا، وتسكنون معنا، وتكون الأرض قُدامكم، ٱسكنوا وٱتّجروا فيها وتملَّكوا بها ” (تكوين 34 : 1 – 10).

أحد الأوجه الخطيرة التي يُقدّمها لنا إبليس لكي يُخرجنا من بيت إيل..
” حب الاستطلاع “، حب ٱستطلاع الأمور غير النقيَّة.. ٱستطلاع أرض الأعداء وعاداتهم وخصالهم بدافع الحشرية ربما، أو بدوافع أُخرى تختلف من شخص لآخر.. وهذا الأمر خطير للغاية يا أحبائي..
على ما أعتقد أن دينة كانت تُدرك أنَّ ما قامت به كان خاطئًا.. لأننا نعرف أن الله أوصى شعبه بعدم الاختلاط بشعوب الأرض الوثنية المُحيطة بهم، لكي لا تجذبهم خطاياهم وطرق عيشهم.. وٱعتقادنا هذا.. يأتي مما قاله إخوتها عندما علموا بما حصل لأختهم.. بأنَّ ذلكَ قباحة، وهكذا لا يُصنع في وسط شعب الله..

ماذا فعلت دينة؟
خرجت.. لتنظر بنات الأرض..
أردات أن تستطلع أولئكَ الفتيات.. تنظرهم.. فدخلت الأرض المحظورة.. دخلت أرض العدو وأرض الخطيئة حبًّا بالاستطلاع.. فتمَّ الاعتداء عليها.. وإذلالها.. نجح العدو في إخراجها من بيت إيل.. فأذلَّها.. وجعل إخوتها يرتكبون مجزرة بكل معنى الكلمة..
كم هوَ خطير يا أحبائي، ما يُسمَّى بحب الاستطلاع.. ولو سألت نفسك في هذا الصباح بجدية وتحت قيادة الروح القدس، كم من المرات خرجت من بيت الآب بسبب حب الاستطلاع..
وكم قادك هذا الأمر إلى التورط بمشاكل عديدة وبخطايا كثيرة.. جعلتك تبتعد لفترة طويلة عن بيت الآب.. وعندما قررت العودة عُدت كما الابن الضال.. بطريقة خاطئة.. مذلول.. مُعرَّى.. تشعر بالذنب.. وبصغر النفس.. لا تستطيع أن تُسامح نفسك… وربما هنالك العديد بيننا اليوم خرجوا ولم يعودوا بعد !!!

– فيلم سينمائي مشهور، أخبركَ عنهُ العديد من الأشخاص.. وبالرغم من علمك بأنَّ هذا الفيلم ليسَ نقيًّا كما ينبغي.. قررت أن تحضرهُ مُقنعًا نفسك بأنك لو وجدته غير نقي لن تتأثر لمرة واحدة فقط.. لكن عندما فعلت وكما يقول يعقوب، ٱنجذبت.. خُدِعت من شهوتك.. حبلت شهوتك وأنتجت خطيئة.. والخطيئة كملت وأنتجت موتًا.. وها أنتَ اليوم خارج بيت الآب..

– عملك لا يأتي لكَ بنتائج سريعة.. ولكن تعرف أنَّ زميلك أو جارك ناجح جدًّا وعمله يعود عليه بثروات كبيرة.. وعوضًا عن مجيئك للرب لكي يقودك ويُبارك عملك، تستطلع الطرق التي يتبعها جارك لكسب هذه الثروات الكبيرة، وتجدها غير نقية.. فيها غش وٱحتيال.. فتقع في فخ الطمع.. وتُحاول مقاومة هذه الأفكار.. لكن لا تلبث أن تقع فريستها، لأنَّ الشيطان لن يتركك بعد أن أعطيته مكانًا وفرصة من خلال حبك للاستطلاع..

لن أُعدِّد أمور أُخرى.. بل سأترك للروح القدس ولكَ.. أن تكتشف الأمور الأُخرى التي بدأت بحب الاستطلاع، أو بأفكار، وٱنتهت بالخروج من بيت الآب.. وما أكثرها..

نقاط هامة سنتأمل فيها..
نجح الشيطان في إخراج دينة من بيت الآب.. لتنظر بنات الأرض..
ٱنتبه.. فهوَ لن يتوقف هنا أبدًا..
دخلت دينة الأرض.. فٱغْتُصِبَت وأُذلَّت.. لكن ” حمور ” والد شكيم تقدم بعرض ليعقوب..
” ٱبنتكم ٱضطجع معها ٱبني، وتعقلت نفسه بها، أعطونا إياها زوجة وصاهرونا، تُعطوننا بناتكم وتأخذون بناتنا “.
ما أخطر هذه الخدع التي يتبعها العدو مع أولاود الله، لكي يُطيل مدة إقامتهم خارج بيت الآب !!!

أخطأت؟
لا بأس.. لكن لا تدع تلكَ الخطيئة تجرك إلى ما هوَ أبعد.. كما يرغب العدو..
بل قم سريعًا منها.. وعد إلى بيت الآب.. وثق بأنهُ أمين وعادل، عندما نعترف بخطايانا، يُسامحنا ودم الرب يسوع المسيح يطهرنا من كل خطيئة.. وإن لم تكن مُتأكِّدًا من ذلك، تأمل مرارًا بقصة الابن الضال، وبردَّة فعل الأب الذي يرمز إلى الآب السماوي، فتلكَ القصة أخبرنا إياها الرب بنفسه لكي نتعلَّم منها..

هدف إبليس أن يقودك إلى ما هوَ أبعد من الوقوع الآني في الخطيئة.. يقودك إلى الانغماس في الخطيئة ولذَّاتها وجاذبيتها.. ويقول لكَ: طالما أخطأت وتمتعت في ما تقوم به.. فلماذا لا تُكمل.. وستعود لاحقًا إلى بيت إيل.. أليسَ هذا ما يحصل مع أغلبنا؟

لكن الانغماس والتوغل في الخطايا، سيجعلها تُصبح قيودًا قاسية، يصعب الإفلات منها فيما بعد، بالسهولة نفسها لو عدنا من أول الطريق.. سيُصيبك بالذل.. والشعور بالذنب.. وصغر النفس.. وعدم الاستحقاق.. وسيُجرِّحك وسيُعرِّيك.. وسيُبعدك لأطول مدة ممكنة عن بيت الآب.. وسيُصيبك بالخوف.. وهذا ما حصل مع يعقوب فلنتأمَّل بذلك:
” فقال يعقوب لشمعون ولاوي (اللذين قتلا كل ذكور شعب حمور وشكيم كردَّة فعل لما حصل مع دينة): كدّرتماني بتكريهكما إياي عند سكَّان الأرض، الكنعانيين والفرزّيين، وأنا نفر قليل، فيجتمعون عليّ ويضربونني فأبيد أنا وبيتي ” (تكوين 34 : 30).

أين الوعود يا يعقوب.. بنسل كنجوم السماء ورمل الشاطئ؟
لقد أخفاها الخوف الذي تجلبه تبعات الخطيئة ونتائجها..

لكن الرب الأمين على وعوده.. الذي يبقى أمينًا بالرغم من عدم أمانتنا.. حافظ العهد.. لم ولن يسمح بذلكَ أبدًا.. لأنَّهُ يُحبنا محبة غير مشروطة.. نعمته غنيَّة.. يعلم بجبلتنا أننا تراب.. فلا يحاسبنا حسب خطايانا وشرورنا.. لكن.. عندما نأتي إليه تائبين.. يفتح يديه ويضمنا.. وٱستمع معي إلى ما قالهُ حينها ليعقوب:
” ثُمَّ قال الله ليعقوب: قم ٱصعد إلى بيت إيل، وأقم هناك، وٱصنع هناك مذبحًا لله، الذي ظهر لكَ حين هربت من وجه عيسو أخيك، فقال يعقوب لبيته ولكل من كان معه: ٱعزلوا الآلهة الغريبة التي بينكم، وتطهروا وٱبدلوا ثيابكم، ولنقم ونصعد الى بيت إيل، فأصنع هناك مذبحًا لله الذي ٱستجاب لي في يوم ضيقتي، وكان معي في الطريق الذي ذهبت فيه، فأعطوا يعقوب كل الآلهة الغريبة التي في أيديهم، والأقراط التي في آذانهم، فطمرها يعقوب تحت البطمة التي عند شكيم، ثُمَّ رحلوا، وكان خوف الله على المدن التي حولهم، فلم يسعوا وراء بني يعقوب، فأتى يعقوب إلى لوز التي في أرض كنعان وهي بيت إيل، هو وجميع القوم الذين معه، وبنى هناك مذبحًا ودعا المكان إيل بيت إيل، لأنَّهُ هناك ظهر له الله حين هرب من وجه أخيه… وقال لهُ الله: أنا الله القدير، أثمر وٱكثـر، أُمَّـة وجماعـة أُمـم تكـون منـك، وملـوك سيخرجـون مـن صلبـك، والأرض التـي أعطيـت إبراهيـم وإسحـاق، لـكَ أُعطيهـا، ولنسلـك مـن بعـدك أُعطـي الأرض ” (تكوين 35 : 1 – 12).

لا تُتعب قلبك.. ولا تفني سني عمرك.. ولا تُضيِّع الوقت أبدًا.. ولا تسمح للشيطان أن يخدعك أبدًا.. لا يوجد حل آخر.. سوى العودة إلى بيت إيل.. الرب يقول لكَ في هذا الصباح:
” هل نجح الشيطان في إخراجك من بيتي؟
هل تخطَّى الأمر حب الاستطلاع.. والنظر إلى بنات الأرض؟
هل صاهرت بنات الأرض الغريبة.. وٱنغمست في خطايا كثيرة أصبحت قيود قاسية في حياتك؟
هل أذلَّكَ الشيطان وعرَّاك وجرَّحك؟
هل تشعر بالذنب وتحاسب نفسك على الخطايا التي ٱرتكبتها وترفض أن تُسامح نفسك؟
هل ترى نفسك لم تعد مستحقًا أن تُدعى ٱبنًا لي.. وتتمنى لو أجعلك عبدًا مأجورًا لدي؟
لا بأس.. لا تخف.. لست أنت من ينتظر العودة إلى بيتي.. بل أنا من ينتظرك بفارغ الصبر..
أنا الماحي ذنوبك ولا أعود أذكرها.. لا تخف من ضعفك.. أنتَ ٱبني.. أنتِ ٱبنتي.. سيخزى ويخجل جميع المُغتاظين عليك، يكون كلا شيء مُخاصموك ويبيدون، تُفتِّش على منازعيك ولا تجدهم، يكون مُحاربوك كلا شيء وكالعدم.. فقط وكما قلت ليعقوب: قم ٱصعد إلى بيت إيل، وأقم هناك.. ٱعزلوا الآلهة الغريبة التي بينكم، وتطهروا وٱبدلوا ثيابكم..
وسأجعل خوفي على كل أعدائكم.. فلا يسعون وراءَكم بعد اليوم.. وسأعوِّض عن السنين التي أكلها الجراد.. ووعدي ودعوتي على حياتكم لن تُمس.. بل أنا أقول لكم:
أثمروا وٱكثروا.. أُمَّة وجماعة أُمم تكون منكم، وملوك سيخرجون من صلبكم، والأرض التي وعدتكم بها ستكون لكم، ولنسلكم من بعدكم أُعطي الأرض “.

أحبائي: دعوة واضحة لنا من الرب اليوم.. فلا نُفوِّت الفرصة.. مهما كان وضعك.. ومهما كان بعدك عن بيت الآب مدَّةً ومسافةً.. صغيرة أم كبيرة.. ليُكن رد فعلنا كرد فعل يعقوب:
لنقم ونصعد إلى بيت إيل.. لنعد إلى بيت إيل.. ولنتفقَّد المذبح.. مذبح الله الذي بنيناه عندما تعرفنا إلى الرب.. ولنُرمِّم ما تهدَّم منهُ.. ولنقم هناك على الدوام.

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع