ومتى صُمتُم (أو حينما تصومون)، فلا تكونوا عابسين كالمُرائين… ” (إنجيل متى 6 : 16).
إنَّ مطلع هذه الآية التي قالها الرب يسوع بنفسه، مُعبِّر للغاية: متى صُمتُم… أو حينما تصومون
وليسَ إذا صُمتُم… لكي نكتشف من خلال ذلكَ، أنَّ الرب ٱعتبرَ أنَّ الصوم هوَ أمر مُسلَّم بهِ، وليسَ أمرًا ٱختياريًا متروكًا للاجتهاد الشخصي العائد لكل واحد منَّا.
لكن وللأسف فإننا نرى أننا نُهمِّش دور الصوم في كافة كنائسنا !!!

 

Logo-colored

ما هوَ الصوم؟
إنهُ ببساطة الإمتناع الطوعي عن الطعام من أجل تحقيق أهداف روحية في مشيئة الله، لحياتنا الشخصية، لحياة عائلاتنا، معارفنا، خدمتنا، كنيستنا، بلدنا، وربما البلدان المحيطة فينا.
 

Logo-colored

 ما هوَ الهدف الرئيسي للصوم، أو ماذا نقول لله عندما نصوم؟
الصوم والتواضع، توأمان لا يفترقان أبدًا !!!
مـن خـلال الصـوم نتواضـع أمـام الله، نتذلَّل أمـام الله، ونُعلـن عجزنـا عـن تنفيـذ أي أمـر مـن دون قوتـه، وكأننـا نقـول لهُ مـا سبـقَ وقالهُ لنا: ” بدونك لا نستطيع أن نفعل شيئًا ” (إنجيل يوحنا 15 : 5).
وقد تعلَّم داود النبي هذا المبدأ عندما قال: ” أذللتُ بالصوم نفسي ” (مزمور 35 : 13).
 

70

والصوم هوَ أمر معاكس تمامًا لتكبُّر القلب، وتعالي العينين، ورغبة الأنا البشرية لمعرفة الأمور بمعزل عن الله، ومحاولاتها المتكررة لإيجاد الحلول لكل المشاكل التي تعترضها بقوتها الخاصة، والاستقلالية عن الله وتوجيهاته وقوته الفائقة للطبيعة، وهذه الخطيئة هيَ التي أسقطت آدم والبشرية جمعاء.
أيضًا داود النبي أدرك ذلكَ الأمر عندما صرخَ للرب قائلاً:
يـا ربُّ لا يتكبَّر قلبـي، ولا تستعلـي عينـاي، ولا أتهالك علـى مـا هوَ أعظـم منَّي… بـل أهدِّﺉ نفسـي وأُسكتهـا مثـلَ مفطـوم فـي حضن أمه، مثلَ مفطوم أُهدِّﺉ نفسي … ” (مزمور 131).

 

Logo-colored

كم يحتوي هذا المزمور من دروس وعِبَر، يرفض داود التكبُّر والإستعلاء على أمور تفوق فكره وإمكانياته الطبيعية، فيقوم بتهدئة نشاط النفس ومحاولاتها على حلّ الأمور بطاقتها، ويُسكتها، بطريقة واحدة: أن يفطمها عن الطعام، وهذا هوَ السبيل الأنجع لقمع النفس والجسد، السبيل الأنجع للتواضع وإذلال النفس أمام الله، إنهُ الصوم، فطم الجسد عن رغباته ومشتهياته…إنه القول لله، لسنا نعلم ماذا نفعل، لكن نحوك أعيُننا، ليسَ لدينا حلّ لهذه المشاكل التي تعترضنا بقوتنا الطبيعية، ونحتاج قوتك الفوق طبيعية…
 

Logo-colored

 وكما سبقَ لداود وتعلَّم هذا المبدأ، سبقَ أيضًا ليهوشافاط أن تعلَّم هذا المبدأ عندما حاصرته جيوش كثيرة قال:
” فجاءَ أُناس وأخبروا يهوشافاط قائلين: قد جاءَ عليكَ جمهورٌ كثير عبرَ البحر من آرام، وها هم في حصون تامار… فخافَ يهوشافاط وجعلَ وجههُ ليطلب الرب، ونادى بصوم في كل يهوذا، وٱجتمعَ يهوذا ليسألوا الرب، جاؤوا أيضًا من كل مدن يهوذا ليسألوا الرب، فوقفَ يهوشافاط في جماعة يهوذا وأورشليم في بيت الرب أمام الدار الجديدة، وقالَ يا رب إله آبائنا… والآن هوَّذا بنوعمّون وموآب وجبل ساعير الذين لم تدع إسرائيل يدخلون إليهم… فهوذا يكافئوننا بمجيئهم لطردنـا مـن ملكـك الـذي أملكتنـا إيـاه، يـا إلهنا أمـا تقضـي عليهم لأنهُ ليسَ فينا قوَّة أمام هذا الجمهور الكثير الآتي علينا ونحنُ لا نعلم ماذا نعمل ولكن نحوك أعيننا ” (سفر أخبار الأيام الثاني 20 : 2 – 12).
 

Logo-colored

رفضَ يهوشافاط الاتكال على قوته، وقوة جيشه، تواضعَ أمام الله، معبِّرًا عن هذا التواضع بالصوم هوَ وشعبه، مُعلنًا عجزهُ وعدم معرفته ماذا يفعل، قائلاً لله ” نحوك أعيننا “، رَفَضَ الطبيعي، وطلب الفوق طبيعي، فتدخلَّ الله ونصرهُ على أعدائه.لا يوجد ما يؤكِّد أنَّ تواضعنا وإذلالنا لأنفسنا أمام الله، هوَ ليسَ مجرد كلمات صادرة عن الشفاه وليسَ من القلب، أكثر من الصوم، وهذا ما فعلهُ يهوشافاط، ولا توجد قوة تُحرِّك السماء، وتُطلق قوة الله الفوق طبيعية سوى الصلاة المقرونة بالصوم، فلنفعل ذلكَ !!!لقد أكدَّت كلمة الله منذُ العهد القديم، على ترابط الصوم والتواضع وإذلال النفس أمام الله، عزرا قامَ بذلك:
” وناديتُ هناك بصوم على نهر أهوا لكي نتذلَّل أمام إلهنا لنطلب منهُ طريقًا مستقيمة لنا ولأطفالنا ولكل ما لنا ” (سفر عزرا 8 : 21).
وهذا ما فعلهُ داود النبي أيضًا:
” أمَّا أنا ففي مرضهم، كانَ لباسي مسحًا، أذللتُ بالصوم نفسي… ” (مزمور 35 : 13).
 

Logo-colored

إذًا يظهر جليًّا من كل ما ٱستعرضناه حتى الآن إنَّ الصوم والذي هوَ الإنقطاع عن الطعام، ما هوَ إلاَّ تعبير قلبي صادق وعملي عن تواضع النفس أمام الله وإعلان عجزها بقوتها الطبيعية عن فهم وإدراك وحلّ الأمور كما ينبغي، وحاجتها إلى الله للتدخل بقوته الفوق طبيعية لفرض حلول السماء !!!ويظهر جليًّا أيضًا أنَّ جوهر الصوم الأهم هو التخلِّي عمَّا هو طبيعي، سعيًا إلى ما هوَ فائق الطبيعة، فمن الطبيعي جدًا لنا أن نأكل، وعندما نمتنع عن الأكل، فنحنُ نتخلَّى بإرادتنا عن الطبيعي ونتوجَّه نحوَ الله، نحوَ ما هوَ فائق للطبيعة، وهذا ما أكدَّهُ لنا الرب يسوع المسيح عندما جاءَ إليه إبليس في البرية ليجرِّبهُ بعد أن صامَ أربعينَ يومًا، فمن الطبيعي أن نجوع ونطلب الطعام، نطلب الخبز، ولكن يُمكننا أن نرفض الطبيعي ونطلب أن نتغذَّى بكل كلمة من فم الله، هذا إن أردنا ما فوق الطبيعي أن يحصل في حياتنا وفي حياة عائلاتنا وفي كنائسنا وفي بلدنا والبلدان المحيطة فينا:
” فأجابهُ يسوع قائلا: مكتوب أن ليسَ بالخبز وحدهُ يحيا الإنسان بل بكل كلمة من الله ” (إنجيل لوقا 4 : 4).
 

bread

ليسَ بالطبيعي يحيا الإنسان، بل بالفوق طبيعي، ليسَ بالطعام المادي، بل بالطعام الروحي، بكلمة الله.
ولو قارنَّا هذا الكلام بكلام آخر للرب يسوع المسيح، لتمكنَّا من إكمال المشهد الحقيقي لما يعنيه الرب، فهوَ قالَ أيضًا:
فأجابهم يسوع: الحقَّ الحقَّ أقولُ لكم أنتم تطلبونني لا لأنكم رأيتم الآيات، بل لأنكم أكلتم الخبز وشبعتم. لا تعملوا للقوت الفاني، بل ٱعملوا للقوت الباقي للحياة الأبدية. هذا القوت يَهبهُ لكم ٱبن الإنسان… أنا هوَ خبز الحياة. من جاءَ إليَّ لا يجوع… آباؤكم أكلوا المنَّ في البرية وماتوا، هذا هوَ الخبز النازل من السماء لكي يأكل منهُ الإنسان ولا يموت… من يأكل هذا الخبز فإنهُ يحيا إلى الأبد ” (إنجيل يوحنا 6 : 26 – 58).

 

Logo-colored

من الطبيعي أن نموت إن لم نأكل الخبز، لكنَّ الرب يسوع المسيح يقول، إن أمضينا عمرنا وحياتنا متمحورة حول السعي وراء هذا الخبز وهذا القوت الفاني سنموت، كما أكلَ آباؤنا المن وماتوا، وسنحيا عندما نتخلَّى عن هذا الخبز ونطلب الخبز النازل من السماء.
وفي أثناء ذلكَ سألهُ تلاميذهُ قائلين: يا مُعلِّم كلّ، فقالَ لهم: أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونهُ أنتم، فقالَ التلاميذ بعضهم لبعض، ألعلَّ أحدًا أتاه بشيء ليأكل، قالَ لهم يسوع: طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمِّم عملهُ ” (إنجيل يوحنا 4 : 31 – 34).

نعم، ينبغي أن يكون طعامنا أن نعمل مشيئة الآب ونُتمِّم عملهُ، لأنَّ حياتنا تعتمد دومًا على طلب الطبيعي، والبُعد عن الفوق طبيعي، وهذا لا يُمكن أن ينفع مع أمور الله والحرب مع العدو وربح النفوس بقوة النفس وخططنا البشرية.

 

Logo-colored

عرفَ يسوع أنَّ أغلب الذين يتبعونهُ ويطلبونهُ، لا يفعلون ذلكَ لكي يروا آيات وعجائب تُجرى وتُمجِّد ٱسمه، بل نتبعهُ أغلب الأحيان، من أجل أن نأكل ونشبع بمعناها الحرفي وبمعناها الأشمل، لذا فهوَ قالَ للجموع التي تبعتهُ: أنتم لا تطلبون المعجزات بل الخبز المادي، فقط لكي تأكلوا وتشبعوا، بينما الجموع من حولنا جياع، للخبز الحقيقية النازل من السماء !

 

Logo-colored

 نعم، ومن جديد أصبحت حياتنا متمحورة حول ما يحتاجه جسدنا وليس روحنا وعمل الله، فالخبز الطبيعي والمادي سيأتي بالشبع، إذا نظرنا إلى الموضوع بالعين المجرَّدة، لكنَّ العيش من أجله فقط وعدم القدرة بالتخلِّي عنهُ لفترات ولأهداف روحية سيأتي بالموت كما قال الرب: آباؤكم أكلوا المنَّ وماتوا، لكن من يأكل من الخبز النازل من السماء، من يأكل من يسوع فإنهُ يحيا إلى الأبد، من يأكل من يسوع يرى المعجزات والفوق طبيعي الذي يحلّ كل مشاكلنا، ويُعطينا القوة لكي نسلك بما يريده الله، ونُحقِّق مشيئته على هذه الأرض، والسبيل الأنجع هوَ رفض الطبيعي، الخبز المادي وطلب الفوق طبيعي، خبز الحياة وهذا هو الصوم بحدّ ذاته، عدم طلب القوت الفاني بل القوت الباقي للحياة، وللتعبير بصدق عن هذا، ينبغي أن يكون نمط حياتنا، نمط صوم، فالذي طُلِبَ منَّا أن نسلك كما سلكَ، هوَ يسوع الذي بدأَ خدمتهُ بالصوم، وأول تجربة تعرَّضَ لها في البرية، كانت أن يأكل الخبز عندما جاع، فرفضَ قائلاً لإبليس: كلام الله هوَ الذي يُحيي وليسَ الخبز، فرجعَ بقوة الروح من البريِّة، وراح يكرز ويُعلِّم، وبنى كنيسته التي لن تقوى أبواب الجحيم عليها، وكانَ مثالاً لنا لنحتذي بهِ.. هذا إن أردنا أن نُشابههُ !
 

temp

 لن نستطيع أن نحيا الحياة المسيحية التي يطلبها الله بقوتنا، بل نحنُ نحتاج إلى قوة الروح القدس، القوة الفوق طبيعية، نُميت أعمال الجسد وشهواته بقوة الروح، نُنمِّي الإنسان الجديد بقوة الروح، نُحارب إبليس بقوة الروح، نكرز للجموع بقوة وبرهان الروح.
 

Logo-colored

إذًا أصبحَ لزامًا علينا أن نتعلَّم كيفَ نُطلق قوة الروح القدس في حياتنا، عالمين أن جسدنا – إنساننا العتيق – وبالتعاون مع إبليس سيحاول منعنا بكل قوته، لأنَّ الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد (رسالة غلاطية 5 : 17)، ولأنَّ ٱهتمام الجسد هوَ عداوة لله (رسالة رومية 8 : 7)، ولأنَّ أول ٱهتمامات الجسد هي الطعام، وهذا يظهر جليًّا في كلمة الله، لذا ينبغي أن نقمعهُ بالصوم كلمَّا دعت الحاجة

 

Logo-colored

أول تجربة للإنسان الأول، كانت تحتَ ستار الطعام أو الأكل:
” فرأت المرأة أنَّ الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وأنَّ الشجرة شهيَّة للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكلَ “.
(سفر التكوين 3 : 6).جيدة للأكل… هكذا قالت حوَّاء، والرد التالي المباشر كانَ: الأكل!!!
وأول تجربة للإنسان الثاني يسوع في البرية، الذي جاءَ لكي يفدينا من أعمال الإنسان الأول، كانت أيضًا الأكل، عندما عرضَ عليه الشيطان أن يُحوِّل الحجارة إلى خبز ويأكل، لكنَّ رد فعل من جاء ليفدينا ويُحرِّرنا من تسلُّط الجسد وشهواته كان: الاستمرار بالصوم!!!
 

Logo-colored

شهوة الجسد الأولى الأكل، والقمع الأولي للجسد بغية ٱستعباده هوَ الصوم.
قد تُحاول أن تقمع جسدك عن الخوف والقلق والاكتئاب والحزن و… لأنها كلها أمور تُزعجهُ وتُتعبه وتسرق راحته وسلامه، لكن هل تحاول قمعهُ عمَّا لا يزعجهُ ويتعبه، بل يُريحه ويُمتِّعه ألا وهوَ الأكل؟
نعم هذا هوَ القرار الصعب، لكنهُ القرار الذي يقمع الجسد لكي لا يُقاوم الروح، فينطلق الروح، ليُحقق من خلالنا أعمال الله العظيمة، وهذا ما فعلهُ الرب، وما فعلهُ بولس عندما قال:
بل أقمع جسدي وأستعبدهُ ” (رسالة كورنثوس الأولى 9 : 27)، ومن أهمّ سبل القمع هذا كما شرحنا، هوَ الصوم.

 

Logo-colored

 لم يُقدم شعب الله على ٱتخاذ قرارات هامة أو القيام بأمور هامة دون صوم، ولم يبدأ يسوع خدمته قبلَ أن يصوم، ولم تُطلق الكنيسة الأولى أول مهمة تبشيرية لهـا قبلَ أن تصوم (سفر أعمال الرسل 13 : 2 – 3)، وقد غيَّرَ الصوم أشخاصًا وكنائس وإرساليات، وجماعات وبلدان، فهل سنُهمِّش الصوم في حياتنا بعدَ اليوم؟
 

Logo-colored

 يُخبرنا سفر يوئيل، أنَّ الشعب كانَ يُعاني من الجفاف على كل الصعد المادية والروحية، فقدَّمَ لهم الرب الحلّ الأمثل، الصوم، ٱلبسوا المسوح… تذلَّلوا… نادوا بالصوم… إرجعوا إليَّ بالصوم…
وعندما تواضع الشعب وصاموا وعادوا إلى الرب، ماذا كانت النتيجة؟
كانت كلمتين مُعبِّرتين: وبعدَ ذلكَ …
نعم، بعدَ ذلكَ فقط…
” ويكون بعدَ ذلكَ، أنِّي أسكـب روحي علـى كـل بشـر، فيتنبـأ بنوكـم وبناتكـم، ويحلـم شيوخكـم أحلامًا ويـرى شبابكـم رؤى، وعلـى العبيد وعلى الإماء أسكب روحي في تلكَ الأيام ” (سفر يوئيل 2 : 28 – 29).
 

hs

 نعم، بعدَ ذلكَ.. بعد أن تواضعوا وتذلَّلوا أمام الرب بالصوم.
فهل تريد أن ترى روح الله ينسكب عليك، وعلى عائلتك، وعلى معارفك، وعلى كنيستك، وعلى بلدك؟
عش حياة الصوم المقرونة بالصلاة، لترى السماء مفتوحة، ولترى آيات ومعجزات وعجائب، ولترى قوة الروح تنطلق وتُحقِّق من خلالك ما لا تتوقعهُ !!!

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع