” … أيها الآب القدوس ٱحفظهم في ٱسمك الذين أعطيتني، ليكونوا واحدًا كما نحن… ولستُ أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضًا من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم، ليكون الجميع واحدًا، كما أنَّكَ أنتَ أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني. وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحد كما أننا نحن واحد ” (يوحنا 17 : 11 – 22).

إنها الصلاة التي رفعها الرب يسوع المسيح للآب السماوي قبل ذهابه إلى الصليب، رفعها من أجل تلاميذه، ومن أجل الذين سيؤمنون به، أي من أجلنا نحن..

أربع مرات في مقطع واحد، يُصلِّي الرب ويطلب من الآب أن يجعلنا واحد.. وليس أي وحدة.. بل الوحدة نفسها التي تجمع الآب بالابن !!!

ويأتي الرسول بولس ليقول لنا:
” هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، وأعضاء بعضًا لبعض، كل واحد للآخر ” (رومية 12 : 5).
جسد واحد بالرغم من كثرتنا.. وما أعمق هذا التشبيه..

فالعين إن مرضت أو ضعفت.. لا يستطيع الجسد أن يتركها وشأنها، ولا يستطيع أن يُعالج ضعفها ومرضها بطريقة غير سليمة أو قاسية، بل بكل عناية وخوف، كي لا يفقد النظر.. يهتم بها، يُقدِّم لها كل ما يُمكنه، لأنَّهُ يُدرك أن فقدانها سينعكس عليه سلبًا، سيجلب لهُ العمى.

واليوم سنتأمَّل بموضوع هام للغاية، كونهُ من أحد أهم الأمور التي تؤثِّر سلبًا أم إيجابًا، على وحدة الجسد التي شدَّدَ عليها الرب، وشدَّدَ عليها الرسول بولس مُقادًا من الروح القدس..
كيف تتعامل مع أخطاء الآخرين؟
بعبارة واحدة.. وبجواب مختصر لكنه عميق ومُعبِّر:
أتعامل مع أخطاء الآخرين.. كما أُحب أن يتعامل الآخرون مع أخطائي.. وكما أُحب أن يتعامل الرب مع أخطائي.
وهذا الكلام، وهذا الاستنتاج قاله الرب يسوع بنفسه:
” إذن، كل ما تُريدون أن يُعاملكم الناس به، فعاملوهم أنتم بهِ أيضًا: هذه هيَ خلاصة تعليم الشريعة والأنبياء ” (متى 7 : 12).

كيف تُريد أن يُعاملك الرب أو الناس، عندما تزني أو تسرق أو تغضب أو تشتم أو تتصرف بغير لياقة تجاه الآخرين أو تفتر في خدمتك وتشرد بعيدًا، أو… أو…
هل تُريد أن يعاقبوك؟ أو أن يجعلوك تدفع ثمن أخطاءَك؟ أو أن يتركوك لكي تحل أمورك بنفسك؟
أم تُريد أن يعاملوك بمحبة وبرحمة، يقفون إلى جانبك، يُصلُّون من أجلك، ولا يهدأون قبل أن تتخلَّص من كل ما يُتعبك، وتستعيد عافيتك بالكامل؟
فكِّر مليًّا بهذه الأمور.. لكي تُدرك وتتعلَّم كيف ينبغي أن تتعامل مع أخطاء الآخرين.

قال الرسول يعقوب:
” أيهـا الإخـوة، إن ضلَّ أحـدٌ منكـم عـن الحـق، وردَّهُ آخـر، فليتأكـد أنَّ الـذي يردُّ خاطئًا عـن ضـلال مسلكـه، فإنمـا يُنقـذ نفسًا مـن الموت، ويستر خطايا كثيرة ” (يعقوب 5 : 19 – 20).

وقال الرسول بولس:
” إيها الإخوة، إن سقطَ أحدكم في خطأ ما، فمثل هذا أصلحوه أنتم الروحيين بروح وداعة. وٱحذر أنتَ لنفسك لئلاَّ تُجرَّب أيضًا. ليحمل الواحد منكم أثقال الآخر، وهكذا تُتمِّمون شريعة المسيح ” (غلاطية 6 : 1 – 2).

ما أدعوك إليه في هذا اليوم، ليس السكوت عن الخطايا وتبريرها، بل كيف تتعامل مع الخاطئين، وكيف تُعالج أخطاءَهم، وكيف تُساعدهم على التحرُّر منها؟
فالرسول يعقوب يوضح هذا الموضوع، عندما يقول أن من يرد الخاطئ عن ضلال مسلكه فهوَ يُنقذه من الموت، ويستر خطاياه..
والرسول بولس يُكمل الصورة ويطلب منَّا أن نُصلح الآخرين ونُعالج أخطاءهم وزلاَّتهم وضعفاتهم، بروح الوداعة.. وهيَ روح الرب الذي قال عن نفسه: أنا وديع القلب.. ولهذا لُقِّبَ بالحمل.

لنحمل أثقال بعضنا البعض، بدلاً من أن نترك إخوتنا وأحباءَنا يرزحون تحتها، ونحن نقف وننظر إليهم، ونُطلق العنان لأفكارنا لإدانتهم والتفتيش على الأسباب التي جعلتهم يصلون إلى هذا الوضع الصعب.. وتُكمل الكلمة لتقول:
وٱحذر أنتَ لنفسك لئلاَّ تُجرَّب أيضًا..

لأننا جميعنا عرضة لكي نقع في الخطايا ونرزح تحت أثقال كثيرة، ولأنه عندما نتعامل بقسوة وبدينونة مع الآخرين عندما يقعون في الخطأ.. هكذا سنُعامل عندما نقع نحن، لأنَّ كلمة الرب تقول:
” لأنَّكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم ” (متى 7 : 2).

فإن كِلْتَ بكيل المحبة والرحمة والمساعدة.. سيُكال لكَ بالمثل..
وإن كِلْتَ بكيل التشفِّي والغضب والدينونة وعدم المساعدة.. سيُكال لكَ بالمثل..
والعبد الذي سامحهُ الرب بالكثير، لكنه رفضَ أن يُسامح بالقليل.. كانت نهايته سيئة للغاية.. فلا ينبغي أبدًا أن تغيب أحداث هذه القصة ومعانيها عن بالنا، ولو للحظة واحدة !!!

كيفَ يتعامل الرب مع أخطائنا؟ وكيف يُعالجها؟
” الرب رحيم ورؤوف، طويل الروح وكثير الرحمة‎، ‎لا يسخط إلى الأبد، ولا يحقد إلى الدهر‏‎، لم يُعاملنا حسب خطايانا، ولم يُجازنا حسب آثامنا، لأنَّهُ مثل ٱرتفاع السموات فوق الأرض قويت رحمته علـى خائفيه، كبُعـد المشـرق من المغـرب أبعدَ عنَّا معاصينـا، كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه، لأنَّهُ يعرف جبلتنا، يذكر أننا تراب نحن ” (مزمور 103 : 8 – 14).

” هل إفرايم ٱبن عزيز لديّ أو ولد مُسرٌّ؟ لأنِّي مع كثرة تنديدي بهِ، فإنِّي ما زلت أذكره، لذلك يشتاق قلبي إليه، وأكنُّ لهُ الرحمة، يقول الرب “.
(إرميا 31 : 20).

” لأنَّ إسرائيل ويهوذا لم يتركهما الرب القدير، وإن تكن أرضهما تفيض بالإثم ضد قدُّوس إسرائيل ” (إرميا 51 : 5).

المبدأ نفسه الذي تكلمنا عنه، فالرب لا يتغاضى عن الخطايا، ولا يُحبها بل يكرهها، لكنهُ يحبنا نحن، ويتعامل معنا بالرحمة وبالمحبة الغافرة والساترة لخطايانا ولضعفاتنا..
لا يُعاملنا حسب ٱستحقاقنا، بل يُبعد عنا خطايانا وآثامنا، يعرف جبلتنا وضعف بشريتنا..
يعرف أنَّ إفرايم لم يكن موضع سروره بتصرفاته، لكنه مع كثرة تنديده بهِ، فهوَ يشتاق إليه ويرحمه..
ويعرف أنَّ أرض إسرائيل ويهوذا، يعرف أن شعبه يفيض إثمًا ضدَّهُ.. لكنه لم يترك ذلك الشعب..
إنَّهُ الإله الذي قال للآب: ٱغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون.. عوضًا عن مطالبته بمحاسبتهم..
إنَّهُ الإله الذي ضحَّى بنفسه وتحمَّل العقاب الذي نستحقهُ نحن.. لكي لا نهلك الهلاك الأبدي..
ولهذا النوع من المحبة دُعينا، المحبة المُضحِّية التي تبذل نفسها من أجل الآخرين..

موسى طلب من الرب أن يمحوه من كتابه.. ولا يُعاقب الشعب..
وبولس تمنَّى لو يكون محرومًا من الرب.. لأجل إخوته وأنسبائه..

والآن.. هل تريد أن تكتشف العقبة الأساسية التي تقف وراء عدم تمكُّنك من تقبُّل خطايا الآخرين ومسامحتهم ومساعدتهم وستر خطاياهم؟
إنَّها بصريح العبارة: غياب المحبة.
فكلمة الله تقول:
” المحبة تتأنَّى وترفق، المحبة لا تحسد، المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ، ولا تُقبِّح ولا تطلب ما لنفسها، ولا تحتد ولا تظن السوء، ولا تفرح بالإثم، بل تفرح بالحق، وتحتمل كل شيء، وتُصدِّق كل شيء، وترجو كل شيء، وتصبر على كل شيء. المحبة لا تسقط أبدًا… ” (كورنثوس الأولى 13 : 4 – 8).

فإن كنتَ لا تتأنَّى على أخطاء الآخرين، ولا ترفق بهم، بل تُقبّحهم وتحتد وتغضب من تصرفاتهم، وأن كنتَ لا تحتملهم، ولا تصبر عليهم.. فأنت بكل بساطة لا تُحبّهم !!!

وهل المطلوب أن نحب إخوتنا والذي يحبوننا فقط؟
لنقرأ ما يقولهُ الرب في هذا المضمار:
” لكنِّي أقول لكم أيها السامعون، أحبُّوا أعداءَكم، أحسنوا إلى مُبغضيكم، باركوا لاعنيكم، وصلُّوا لأجل الذين يُسيئون إليكم… وإن أحببتم الذين يُحبُّونكم فأي فضل لكم؟ فإنَّ الخطاة أيضًا يُحبُّون الذين يُحبُّونهم، وإذا أحسنتم إلى الذين يُحسنون إليكم فأي فضل لكم؟ فإنَّ الخطاة أيضًا يفعلون هكذا “.
(لوقا 6 : 27 – 33).
هكذا ينبغي أن نحب.. وهؤلاء من ينبغي أن نُحبّهم.. وهكذا ينبغي أن نُعالج أخطاء الآخرين.

وهل يُمكننا أن نحب هكذا، ونحب هؤلاء؟
ليسَ بقوتك، وليسَ بمحبتك الطبيعية.. لأنَّ كلمة الله تقول:
” … لأنَّ محبة الله قد ٱنسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا ” (رومية 5 : 5).

المحبة نفسها التي جعلت الرب لا يُعاملنا حسب معاصينا، والتي جعلته يحب إفرايم ويحن إليه ويرحمه، والتي جعلته لا يترك شعبه بالرغم من كثره إثمه، والتي جعلته يموت عن الخطأة..
نعم.. المحبة نفسها ٱنسكبت في قلوبنا بالروح القدس.. وما عليك أن تفعله هوَ أن تطلب بإلحاح وكل يوم من الروح القدس، أن يُطلق هذه المحبة من داخلك نحو الآخرين، وأن يُزيل من طريق تدفُّقها نحو الآخرين كل المعوقات والسدود والجبال والوديان الكامنة في أنفسنا، فهوَ يعرف كيف يُنقِّي طريق تدفُّقها من كل ما يعيق ذلك، وعندها ستعرف كيف تُعالج أخطاء الآخرين بروح الوداعة، مهما فعلوا ومهما كانت خطاياهم وضعفاتهم كثيرة وصعبة.. وعندها أيضًا ستعرف أن تقبل نفسك، وتحب نفسك، وتسامح نفسك، كما قبلك الرب بكل عيوبك، وكما سامحك ويُسامحك، وكما يتعامل معك برأفة ورحمة وحنان..

عندما أقام الرب هرون لكي يكون رئيس كهنة، لكي يقف بينه وبين الشعب، صنع له حجري جذع، ونقش عليهما أسماء أسباط الشعب، وطلب منه أن يضعهما على كتفه، كما صنعَ لهُ ما سمَّاه ” صدرة القضاء ” ووضع عليها أحجار بعدد أسباط بني إسرائيل، وكانت تلكَ الأحجار من العقيق والياقوت والزمرد والبهرمان.. أحجار كريمة وثمينة، بالرغم من بشاعة خطايا ذلك الشعب، لكن محبته الغافرة والساترة للخطايا، كانت تراهم أحجار كريمة وثمينة.. وطلب من هرون أن يضع السترة على قلبه.. قائلاً:
” فيحمل هرون أسماء بني إسرائيل في صدرة القضاء على قلبه، عند دخوله إلى القدس… ” (خروج 28 : 29).

لم يطلب الرب من هرون في أي موضع أن يحمل أسماء الأسباط على لسانه، عندما يدخل إلى محضره.. فاللسان غالبًا ما يرمز إلى التكلُّم على الآخرين بالسوء والدينونة.. لكن الكتف يحمل الإثقال.. والقلب يُحب محبة الرب التي ٱنسكبت في قلوبنا.. في هذه الأمكنة ينبغي أن نحمل إخوتنا عندما ندخل إلى محضر الرب من أجلهم.. ندخل إلى محضره لنحمل أثقالهم ونحبهم وندافع عنهم ونتشفع لهم ونرحمهم، وليس لكي نتكلَّم عليهم وعلى خطاياهم وضعفاتهم، أو لكي نكشف عوراتهم !!!

تأمُّل أتركه بين يديك في مطلع هذا العام، لكي تتعلَّم كيف تُحب الآخرين.. كيفَ تحمل أثقالهم.. كيف تتعامل مع أخطائهم بروح الوداعة وبرحمة فائقة.. لكي تكون واحدًا مع إخوتك.. وحدة كوحدة الآب بالابن.. لكي تنجح كل طرقنا، وتتحق رؤيتنا.

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع


Warning: array_splice() expects parameter 2 to be long, string given in /home/aoglb/public_html/wp-content/themes/rayoflight-theme/functions/other.php on line 36

المزيد