” ثمَّ خرج يسوع من هناك وٱنصرف إلى نواحي صور وصيدا، وإذا ٱمرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلةً: ٱرحمني يا سيد يا ٱبن داود، ٱبنتي مجنونة جدًّا، فلم يُجبها بكلمة… فأتت وسجدت لهُ قائلةً: يا سيِّد أعنِّي، فأجاب وقال: ليس حسنًا أن يُؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب، فقالت: نعم يا سيد، والكلاب أيضًا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها، حينئذٍ أجـاب يسـوع وقـال لهـا: يـا ٱمرأة عظيـم إيمانـك، ليكـن لـك كمـا تريديـن، فشفيت ٱبنتها من تلك الساعة ” (متى 15 : 21 – 28).

عظيمٌ إيمانك..
تلكَ كانت ردَّة فعل الرب على ما قالته المرأة الكنعانية.. كان لها إيمان:
أنَّهُ حتَّى الفتات المُتساقط من مائدة أربابها يكفي لكي يشفي ٱبنتها.. ونالت طلبتها من الرب.

لكن ليسَ هذا موضوع تأمّلنا اليوم، بل ما نريد التأمُّل فيه.. هوَ أننا جميعنا تقريبًا ما زلنا نقتات من الفتات المُتساقط من مائدة أربابنا.. أو من نصّبناهم نحن أرباب علينا !!!

ٱمرأة كنعانية من سكان نواحي صيدا وصور، نواحي بلدنا..
وكنعان هوَ ٱبن نوح الذي أخطأَ إلى والده عندما نظر إلى عورة أبيه وأخبرَ إخوته، وعندما علم أبوه قالَ لهُ:
” ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته ” (تكوين 9 : 25).
لعنة جاءَت بالشعور بالرفض وبالعبودية.. وسيطرت على كنعان وعلى نسله من بعده..
وما أقسى نتائج هذا الشعور على الإنسان..
لن يأتي يوم يرى نفسهُ مستحقًا أن يجلس إلى مائدة، بل دومًا تحتها، مُلتمسًا أن يقتات من الفتات المُتساقط منها..

ولو عدنا إلى جنَّة عدن، وما فعلهُ آدم وحوَّاء بالله، والنتيجة التي حصداها، لاكتشفنا أيضًا جذور الشعور بالرفض، التي نجح الشيطان بغرسها داخل آدم وحواء ومن خلالهما في البشرية جمعاء:
” فأخرجهُ الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أُخِذَ منها، فطُرد الإنسان… ” (تكوين 3 : 23 – 24).
إبعاد.. وطرد من محضر الله.. والنتيجة شعور بالرفض..

ولو سمحَ كل واحد منَّا اليوم للروح القدس بأن يتفحَّص الأعماق، لما وجدنا واحدًا منَّا لا يختزن في داخله الشعور بالرفض، وإن ٱختلفت النسب بين شخص وآخر..
وهذا الشعور بالرفض يُسيطر على أغلب تصرفاتنا، حتَّى لا أقول كلها، وعلى ردَّة فعلنا تجاه الله بالدرجة الأولى والعلاقة معه، وتجاه بعضنا البعض.. والنتائج مُدمِّرة.. والمستفيد الوحيد هوَ الشيطان.. لكن ليسَ بعد اليوم بٱسم الرب يسوع المسيح.

” قد أُكمل ” قالها الرب على الصليب..
خلاص كامل.. من كل نتائج السقوط.. من كل لعنات..
والرب حمل تلكَ النتائج لكي لا نحملها نحن فيما بعد..
فهوَ رُفض.. من إخوته وأقربائه.. وهوَ الذي جاء إلى خاصته وخاصته رفضته..
كل تلاميذه تركوه وهربوا.. وعندما كان على الصليب حاملاً خطايا البشرية جمعاء.. تركه الآب السماوي تلكَ اللحظات.. وهذا ما قاله الرب:
” ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً: إيلي إيلي لما شبقتني، أي إلهي إلهي لماذا تركتني؟ ” (متى 27 : 46).

أصعب وأقسى وأعمق مشاعر الرفض تعرَّض لها الرب، ولذلكَ فهوَ:
” … ليسَ عاجزًا عن تفهُّم ضعفاتنا، بل إنَّهُ تعرَّض للتجارب التي نتعرَّض نحنُ لها، إلاَّ أنَّهُ بلا خطيئة ” (عبرانيين 4 : 15).
فمهما كانت الأسباب التي جعلتك وتجعلك تشعر بالرفض:
طفولة معذبة أو مشوَّهة، رفض من الأهل، من الأصحاب، من الأساتذة خلال مراحل الدراسة، مستوى علمي أو مادي متدني، زواج فاشل، خيانة ممن تحب، إحباط حتَّى من الله، فشل في ما تقوم به، كلام جارح تعرضت وتتعرض له، تعرُّضك لمشاكل وتخلّي الكل عنك… إلخ.
الرب ليس عاجزًا عن تفهم وضعك.. لقد تعرَّض لمواقف أصعب ممَّا تعرضت له أنت..
تعال إليه ودعه يشفيك، يُبلسم جراحاتك.. إنه ينتظرك فاتحاً يديه وصدره الحنون.

على الصليب أصبح هوَ لعنة لكي يحمل اللعنة عنك، والأهم أنَّهُ حوَّلها إلى بركة:
” المسيـح ٱفتدانـا مـن لعنـة النامـوس، إذ صـار لعنةً لأجلنا، لأنَّهُ مكتـوب: ملعـون كـل مـن عُلِّقَ علـى خشبـة، لتصيـر بركـة إبراهيـم للأمم في المسيح يسوع… ” (غلاطية 3 : 13 – 14).
ٱفتدانا من اللعنة.. بأن صار هوَ لعنة، وحوَّلها إلى بركة.

وماذا كانت النتائج؟
إلى طاولة الملك.. وليس تحتها.
إلى الطعام الدسم والشهي.. وليس إلى الفتات المُتساقط من مائدة الأرباب !!!

لست أعلم مدى قساوة جذور الشعور بالرفض التي لديك، ولا مدى قساوة سنين الشعور بالعبودية وصغر النفس التي لديك، وعليه لست أعلم كيف تنظر إلى نفسك، لكن ما يهمني اليوم أن أخبرك ما هيَ نظرة الرب إليك، وأن أطلب من الروح القدس أن ينتزع من داخلك تلكَ المشاعر وأن يغرس مكانها موقعك الجديد بالرب، وأفكاره تجاهك:
” يُنهض المسكين من التراب، ويرفع البائس من المزبلة، ليُجلسه مع أشراف شعبه ” (مزمور 113 : 7 – 8).

” وأمَّا أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمَّة مُقدَّسة، شعب ٱقتناء، لكي تُخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب “.
(بطرس الأولى 2 : 9).

” ولكـن الآن فـي المسيـح يسـوع أنتـم الذيـن كنتـم قبـلاً بعيديـن صرتـم قريبيـن بـدم المسيـح… فلستـم إذًا بعـد غربـاء ونـزلاء، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله ” (أفسس 2 : 13، 19).

” … حتِّى يعرف العالم أنك أرسلتني وأنَّكَ أحببتهم كما أحببتني ” (يوحنا 17 : 23).
كلمة الله لا تنفي واقعنا الأليم قبل أن نعرف الرب ونغدو من أولاده، بل تُغيِّره:
كنا جالسين على التراب، بائسين، نشعر وكأننا مرميين في مزبلة، بعيدين عن الله..
لكن الخبر السار أنها تُخبرنا ماذا غدونا:
أشراف.. جنس مختار.. ملوك.. كهنة.. أمَّة مُقدَّسة.. أهل بيت الله.. أولاد الله..
والكلام الذهبي: أنَّ الآب يُحبنا كما يُحب يسوع تحديدًا !!!

والآن.. رجاء أن تصرخ من أعماقك للروح القدس لكي يغرس هذه الكلمات في أعماق أعماقك ويجعلها تشفيك، تُحرِّرك، تنتزع منك كل صغر نفس وشعور بالرفض وبالذلّ وبالعبودية.. وتقودك إلى موقعك الجديد.. فتجلس مع الرب جنبًا إلى جنب إلى مائدته، وتأكل من كل مشتهيات أعدَّها لكَ.. وتتوقَّف فورًا عن أكل أو ٱلتماس الفتات المُتساقط، عن مائدة ينبغي أن تكون السيِّد المُكرَّم، الجالس إليها !!!

قبل موته بأيام معدودة قال لتلاميذه عندما جلس معهم لتناول عشاء الفصح الأخير:
” شهوة ٱشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألَّم ” (لوقا 22 : 15).
لا توجد عبارة يُمكنها أن تُظهر لنا محبة الرب أكثر من ” شهوة ٱشتهيت “.
وهوَ اليوم ” شهوة يشتهي ” أن تجلس معه إلى مائدته.. وتتوقَّف عن ٱلتقات الفتات المُتساقط منها.

هذا من ناحية.. لكن يا أحبائي لدينا ناحية أُخرى هامَّة، نهدف لها من خلال ٱنتقالنا من الجلوس تحت المائدة إلى الجلوس إلى مائدة الملك، ومن خلال توقفنا عن التغذِّي بفتات الخبز إلى التغذِّي بالطعام القوي، وكاتب رسالة العبرانيين قال:
” لأنَّكم إذ كان ينبغي أن تكونوا مُعلِّمين لسبب طول الزمان، تحتاجون أن يُعلِّمكم أحد، ما هي أركان بداءة أقوال الله، وصرتم محتاجين إلى اللبن، لا إلى طعام قوي، لأنَّ كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البرّ لأنَّهُ طفل، وأمَّا الطعام القوي فاللبالغين، الذين بسبب التمرُّن قد صارت لهم الحواس مُدرَّبة على التمييز بين الخير والشر ” (عبرانيين 5 : 12 – 14).

أحبائي: الحرب الدائرة حولنا وعلينا، ليست نزهة ولا سهلة على الإطلاق، وإن لم نُحسن المحاربة سنتأذَّى ولن نتمكن من القيام بمهمتنا، والحرب تزداد شراسة هذه الأيام التي يتفق الجميع على أنها ربَّما تكون الأيام الأخيرة ما قبل مجيء الرب الثاني.. والفتات واللبن والجلوس تحت المائدة، لا يمكنهم أبدًا أن يحسموا حروبًا كهذه.. بل الطعام القوي والخبرة والتمييز بين الخير والشر وما يجري من حولنا، والجلوس اليومي مع قائد الحملة الرب يسوع.. هم وحدهم من يُمكنهم حسم هذه الحروب..
نحتاج إلى حكمة من فوق، وإلى تمييز بالروح القدس، وإلى إعلانات الروح وتوجيهاته، إلى رؤى وأحلام ونبوءَات وقوة مُضاعفة، لنتمكن من إحباط مخططات الشيطان وتدميرها وكسر تحالفاته، والقضاء على أجناده ومملكته المنظمة..

وما لم نجلس بشكل مستمر إلى مائدة الملك والقائد لكي نأخذ توجيهاته، لن نتمكَّن من النجاح قطعًا، بل على العكس، سوف نُهزم على الصعيد الشخصي وعلى صعيد ٱمتلاك الأرض والدخول إلى بيت القوي وربطه، ومن ثمَّ تحرير النفوس وسلب الغنائم..
فمتى نفعل؟

أفكار وتوقُّعات وخطط الابن الضال لا تنفع أبدًا لهكذا معركة:
” أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقًا بعد أن أُدعى لكَ ٱبنًا.. إجعلني كأحد أُجرائك “.

لكن الأب المحب والعارف في الوقت نفسه، تبعات وٱحتياجات المعركة قال:
” أخرجوا الحلّة الأولى وٱلبسوه، وٱجعلوا خاتمًا في يده، وحذاءً في رجليه، وقدِّموا العجل المسمَّن وٱذبحوه فنأكل ونفرح “.

الحلَّة الأولى وليسَ أي حلَّة، ثياب الملك نفسه، ثياب رب الجنود، ثياب الحرب.. خاتم المُلك والسلطان.. حذاء متين لكي لا تتأذَّى أرجلنا في الأراضي الوعرة والصعبة، والعجل المسمَّن أي اللحم، طعام الأقوياء والبالغين، وليس اللبن وفتات الخبز المُتساقط من المائدة..

قال الرب لإرميا:
” ٱدعني فأُجيبك وأُطلعك على عظائم وغرائب لم تعرفها ” (إرميا 33 : 3).
ٱطلب من الرب مستوى أعلى من الإعلانات والتوجيهات والحكمة النازلة من فوق، لكي يُجيبك كاشفًا لكَ الأسرار والتكتيكات والاستراتيجيات الضرورية، القادرة أن تحسم معارك شرسة وعنيفة..

وبولس قالها ثلاث مرات في رسالة واحدة، نظرًا لأهمية الموضوع:
” ولكن جدُّوا للمواهب الحُسنى، وأيضًا أُريكم طريقًا أفضل… ٱتبعوا المحبة ولكن جدُّوا للمواهب الروحية وبالأولى أن تتنبأوا… هكذا أنتم أيضًا إذ أنَّكم غيورون للمواهب الروحية، ٱطلبوا لأجل بنيان الكنيسة، أن تزدادوا ” (كورنثوس الأولى 12 : 31، 14 : 1، 12).

جدُّوا لمواهب الروح القدس وكونوا غيورين لها وللحصول عليها من أجل بنيان الكنيسة، وتجهيز شعب الرب، والاستعداد لخوض كل أنواع المعارك وحسمها، لكي تستطيع الكنيسة أن تُهاجم مملكة الظلمة وأبواب الجحيم لا تقوى عليها:
كلام حكمة، كلام علم، إيمان، مواهب شفاء، عمل قوات، نبوَّة، تمييز الأرواح، أنواع ألسنة، ترجمة ألسنة.. نحتاجاها كلّها أن تكون في الجسد، موزَّعة على الأعضاء كما يشاء الروح..

أحبائي: إنَّهُ الوقت الذي نقوم فيه من تحت المائدة لنجلس إليها مع الملك، لكي يشفينا ويُضمِّد جراحاتنا، ويُطعمنا من طعامه الدسم والقوي، ويوقف كل ٱعتماد فينا على فتات مُتساقط من المائدة، إنَّهُ الوقت الذي نجلس فيه معه كل يوم، مُدركين في أعماقنا من نحن فيه: ملوك.. كهنة، محاربيه الأقوياء، من ٱرتضى أن يأتمنهم على عمله، وعندما نُدرك، نسأله بعطش وجوع وجديَّة أن يمنحنا مواهب روحه وتوجيهاته وقوته وسيفه، لكي نحسم المعارك، ونُحبط خطط ومؤامرات إبليس، ونقيّده وندخل بيته، فنحرر النفوس وننهب الغنائم..
فلنقف الآن دون أي تأجيل أو تأخير، ولنجلس إلى طاولة الملك.. وليس تحتها.

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع