لقد فات الآوان..
هذه العبارة يُردّدها الجميع، أحيانًا بالصوت المسموع والعالي، وأحيانًا همسًا في القلب..
وغالبًا ما نُردّدها أمام مواقف وحالات كثيرة تعترض حياتنا، يبدو معها الوضع صعب المعالجة..
ومن منّا لم يردِّدها يومًا.. أو ما زال حتى هذه الساعة يُردِّدها أمام أوضاع يمر بها ولا يزال؟

لكن كلمة الله تُعلِّمنا عكس ذلك تمامًا، فالرسول بولس قال:
” ولا تُشاكلوا هذا الدهر (لا تتكيَّفوا مع هذا العالم)، بل تغيّروا بتجديد الذهن، لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة ” (رومية 12 : 2).

بما معناه، لا ينبغي على أولاد الله، المؤمنين بٱسمه، أن يتصرّفوا كما يتصرّف أهل العالم البعيدين عن الرب، ولا أن يُفكِّروا مثلهم، ولا أن يُردِّدوا العبارات التي يُردِّدها أهل العالم.. بل ينبغي علينا أن نتغيَّر، بأن نُجدِّد أذهاننا وتفكيرنا، لكي نختبر إرادة الله الصالحة لنا، وهذا يتم عندما نقرأ كلمة الله، نتأمَّل فيها، ندرسها بقيادة الروح القدس.. وعندها سنكتشف أنَّ:
عبارة ” لقد فات الآوان ” غير موجودة في قاموس الله، في كلمة الله، وإذا جاز التعبير، فالرب لا يفهم معنى هذه الكلمة، لأنَّهُ إله لا يستحيل عليه أمر، ولأنَّهُ إله التعويض، وهذا ما سنتعلَّمهُ اليوم.

تعالَ نتأمَّل معًا بقصة المرأة الشونمية، التي عاصرت النبي أليشع، وهيَ تلك المرأة التي أقام الرب ٱبنها من الموت، مُستخدمًا النبي أليشع:
” وكلم أليشع المرأة التي أحيا ٱبنها قائلاً: قومي وٱنطلقي أنتِ وبيتك، وتغرَّبي حيثما تتغرَّبي، لأنَّ الرب قد دعا بجوع، فيأتي أيضًا على الأرض سبع سنين، فقامت المرأة وفعلت حسب كلام رجل الله، وٱنطلقت هيَ وبيتها وتغربت في أرض الفلسطينيين سبع سنين، وفي نهاية السنين السبع رجعت المرأة من أرض الفلسطينيين وخرجت لتصرخ إلى الملك لأجل بيتها وحقلها، وكلَّم الملك جيحزي غلام رجل الله قائلاً: قص عليَّ جميع العظائم التي فعلها أليشع، وفيما هوَ يقص على الملك كيف أنَّهُ أحيا الميت، إذا بالمرأة التي أحيا ٱبنها تصرخ إلى الملك لأجل بيتها ولأجل حقلها، فقال جيحزي: يا سيدي الملك، هذه هي المرأة، وهذا هو ٱبنهـا الـذي أحيـاه أليشـع، فسـأل الملـك المـرأة، فقصـت عليـه ذلـك، فأعطاهـا الملك خصيًا قائلاً: أرجع كل ما لها، وجميع غلاَّت الحقل، من حين تركت الأرض إلى الآن ” (ملوك الثاني 8 : 1 – 6).

فقدت بيتها، وأرضها.. كل ما لها.. وكما نعلم أنها كانت أرملة، ولديها ولد عليها أن تُعيله..
وأمام وضع كهذا، لا بد أن يكون لسان حالها: لقد فات الآوان..
وجاءت تصرخ إلى الملك من أجل التعويض..
وبالطبع لم يكن من باب الصدفة أن يكون لدى الملك في ذلكَ الوقت، غلام النبي أليشع، يُخبر الملك عن المعجزة التي أجراها الله معها، ممّا جعل الملك يُصدر هذا الأمر:
” أرجعوا كل ما لها، وجميع غلاَّت الحقل، من حين تركت الأرض إلى الآن “.
ليس فقط ٱسترداد بيتها وأرضها.. بل جميع غلاَّت الحقل لكل السنين السبع التي تغرَّبت فيها..
لقد محا الله من ذهنها عبارة ” لقد فات الآوان “، ليغرس مكانها عبارة ” أنا إله التعويض “، الذي لا ينسى شعبهُ أبدًا..

هذه القصة هيَ من العهد القديم، فماذا يُخبرنا العهد الجديد؟
” وفي أورشليم عند باب الضأن، بركة يُقال لها بالعبرانية ” بيت حسدا ” لها خمسة أروقة، في هذه كان مضطجعًا جمهور كثير، من مرضى وعمي وعرج وعسم، يتوقعُّون تحريك الماء، لأنَّ ملاكًا كان ينزل أحيانًا في البركة ويُحرِّك الماء، فمن نزل أولاً بعد تحريك الماء، كان يبرأ من أي مرض ٱعتراه، وكانَ هناك إنسان به مرض منذ ثمانٍ وثلاثين سنة، هذا رآه يسوع مضطجعًا، وعلمَ أنَّ لهُ زمانًا كثيرًا فقال له: أتريد أن تبرأ، أجابه المريض: يا سيد ليس لي إنسان يُلقيني في البركة متى تحرَّك الماء، بل بينما أنا آتٍ، ينزل قدامي آخر، قال لهُ يسوع: قم، إحمـل سريـرك وٱمشِ، فحالاً برئَ الإنسـان، وحمل سريره ومشى، وكان في ذلك اليوم سبت ” (يوحنا 5 : 2 – 9).

ثماني وثلاثين سنة من المرض.. مُقعد.. والأمل في الشفاء شبه معدوم.. وللشفاء شروط مُعقَّدة:
– الملاك ينزل ” أحيانًا “.
– الحاجة لشخص آخر لكي يُلقيه في البركة.
– وينبغي أن ينزل أولاً.. لأنَّ الشفاء كانَ مُتاحًا لأول النازلين فقط..

وجمهور كثير ينتظر.. مرضى وعمي وعرج وعسم..
ولو تأملت قليلاً بحالة أولئك الناس، فماذا كنت ستستنتج؟
عذاب.. ألم.. خوف.. قلق.. حزن.. يأس.. فقدان الأمل… إلخ.
” لقد فات الاوان “..
لكن المفرح في هذه القصة، ما يقوله هذا المقطع:
هذا رآه يسوع..
فتحنَّنَ قلبه عليه، وسأله: أتريد أن تبرأ؟
لكن اليأس وطول الانتظار والعذاب… أفقدوا ذلكَ المقعد الأمل، وهذا ما نكتشفه من إجايته، لأنهُ لم يقل للرب نعم أريد أن أبرأ.. بل قال لهُ: ليسَ لي من يُلقيني في البركة.. لقد فات الآوان بالنسبة لهُ..
لكن هذه العبارة ليست موجودة لدى إلهنا الشافي.. إله التعويض..
بل قال لذلك المقعد، لم يفت الآوان أبدًا.. ولست تحتاج أن تنتظر أكثر.. ولست تحتاج إلى من يُلقيك في البركة:
قم.. إحمل سريرك وٱمشِ..
فحالاً برئَ ذلكَ المريض منذ ثماني وثلاثين عامًا، وحمل سريره ومشى..

أحبائي: ليسَ الهدف من هذا التأمل أن يملأ ذهنك بالمعلومات، ولا أن يزيدك معرفة فقط..
الهدف هوَ أن تُلغي اليوم من قاموسك، من فكرك، من حياتك كلّها عبارة ” لقد فات الآوان “.
وأن تُغيِّر تفكيرك، تُجدِّد ذهنك بكلمة الرب لكَ في هذا الصباح..
وأن تعرف وتؤمن من كل قلبك، أنَّ الرب يسوع هوَ إله التعويض..
وهوَ يعرف حالتك بكل تفاصيلها مهما كانت.. وهو مهتم فيك إلى أقصى الحدود..
وكما رأى ذلك المقعد، فهوَ يراك الآن.. يرى تعبك وعذابك وخوفك ومرضك وقلقك وكل معاناتك..
وهمه الوحيد.. أن تقوم وتمشي وتنطلق من جديد، وهوَ سيُعوِّض عليك كل ما خسرت، أضعاف مُضاعفة..
هوَ الذي قال:
” السارق لا يأتي إلاَّ ليسرق ويذبح ويُهلك، وأمَّا أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة، وليكون لهم أفضل ” (يوحنا 10 : 10).

هل سرق العدو صحتك؟ فرحك؟ سلامك؟ أموالك؟ خدمتك؟ زواجك؟ أو أي شيء آخر؟
هل يُحاول العدو أن يذبحك ويُهلكك؟
لا تخف.. فالرب جاءَ خصِّيصًا لكي تكون لكَ حياة.. ولكي يكون لكَ أفضل ممَّا أنتَ عليه الآن..
جاءَ لكي يُعوِّض عليك كل ما سلبه العدو منك..
ٱسمعهُ معي يقول لشعبه:
” وأُعوِّض لكم عن السنين التي أكلها الجراد الغوغاء والطيّار والقمص… فتأكـلون أكـلاً وتشبعـون، وتُسبِّحـون ٱسـم الـرب إلهكـم، الـذي صنع معكم عجبًا، ولا يخزى شعبي إلى الأبد ” (يوئيل 2 : 25 – 26).

ثق بهِ.. وهوَ سيُعوِّض لكَ عن كل ما أكلهُ الجراد.. فتأكل وتشبع من جديد، وتُسبِّح ٱسمهُ من جديد، لأنَّ شعب الرب لا يخزى أبدًا..

لا تقل لي: حالتي صعبة.. مُعقَّدة.. غير قابلة للتصحيح والتعويض.. فأنتَ لا تعرف وضعي..
قد لا أعرف وضعك بالتحديد.. لكنني أعرف إلهي.. إله التعويض الذي لا يعسر عليه أمر:
” ‎الله لنا إله خلاص، وعند الرب السيد للموت مخارج‎ ” (مزمور 68 : 20).

فهل وضعك مُعقَّد لدرجة تُشبه الموت.. أو ربما موت بكل معنى الكلمة.. أنا أقول لكَ:
عند الرب يسوع للموت مخارج.. فقط تعالَ إليه كما أنت..

نعمان السرياني كان قائد الجيش في آرام، وقد أُصيب بمرض البرص، مرض لا شفاء لهُ، مرض يجعل الجلد واللحم يتقرَّحان ويُنتنان، وقد رتبَّ الرب لذلك القائد أن يأتي إلى أليشع النبي، لكي ينال شفاء من إله التعويض:
” فنزل وغطس في الأردن سبع مرات حسب قول رجل الله، فرجع لحمه كلحم صبي صغير وطهر ” (ملوك الثاني 5 : 14).

لم يشفهِ الرب فقط، بل عوَّض عليه.. فرجع لحمه ليسَ كما كانَ عليه قبل المرض، بل كلحم صبي صغير !!!
مهما كان وضعك اليوم، مشكلة مُعقَّدة، مُشكلة تُشبه الموت، أم مشكلة صغيرة، ومهما كانت الأسباب التي أوصلتك إلى هذه الحالة التي تُعاني منها الآن:
بُعدك عن الرب.. خطايا صعبة.. قيود.. ظروف لا تعرف أسبابها.. حروب من إبليس… أو أي أمر آخر..
وربما حاولت كثيرًا في السابق، ولم تجد حلاًّ، وربما أصبح وضعك مثل ذلك المُقعد، سنوات طويلة مضت ومحاولات كثيرة، لكن دون نتيجة.. وربما لم تعد لديك الرغبة في المحاولة من جديد..
لا بأس.. اليوم وبعدما قرأت هذا التأمل.. وبعدما عرفت أنَّ إلهنا هوَ إله التعويض..
لا تسمح لإبليس أن يُشوِّه صورة الله في داخلك، ولا تسمح لأفكار العالم أن تملأ ذهنك.. ولا تُشاكل هذا الدهر بطريقه التفكير العالمية..
لأنَّ الله.. هوَ ما تقول الكلمة عنه.. إله صالح.. يُحبك محبة غير مشروطة.. إله التعويض الذي يريد أن يُعوِّض لكَ عن كل السنين التي أكلها الجراد.. هوَ يراك الآن كما رأى ذلكَ المقعد.. هوَ يريد أن يرد لكَ بيتك وأرضك وكل الغلال التي خسرتها.. يُريد أن يُعيد لكَ الفرح والسلام والطمأنينة والصحة والبحبوحة والخدمة والثمر الكثير..
تعال إليه وٱرمِ بنفسك في أحضانه.. ودعهُ يُعالج كل جراحاتك ومعاناتك ومشاكلك.. ويُلغي من ذهنك عبارة: ” لقد فات الآوان ” ويُنسيك هذه العبارة إلى الأبد..
ثق بهِ.. إنهُ ينتظرك.. تعال إليه ولن تندم أبدًا.

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع