تأملنا في الاسبوع الماضي في المقابلة التي جرت بين الرب يسوع المسيح والرسول بطرس، والتي سألهُ الرب من خلالها ثلاث مرات ” أتحبني يا بطرس أكثر من هؤلاء؟ “، ليضع الرب معادلة عملية أمام بطرس وهيَ:

” إن كنتَ فعلاً تحبني أكثر من هؤلاء.. إرعَ غنمي.. تخلَّى يا بطرس عن كل شيء.. عن محبة البحر والقارب وصيد السمك، وٱجعلني كنزك الوحيد، لأنَّهُ حيثُ يكون كنزك يكون قلبك أيضًا “.

وقد كلفت تلكَ الرعاية بطرس في نهاية الأمر حياته بالكامل، إن كانَ لجهة ترك كل شيء والانصراف لخدمة الرب بالكامل، وإن كانَ لجهة موته كشهيد للرب في نهاية حياته !!!

وبعد ذلكَ التأمُّل.. وبينما كنتُ أتأمل خلال الأسبوع الماضي في سفر دانيال النبي، لفتني هذا الكلام الذي قالهُ الملك نبوخذناصّر:

” وعند ٱنتهاء الأيام أنا نبوخذناصّر، رفعتُ عينيَّ إلى السماء فرجع إليَّ عقلي، وباركتُ العلي وسبَّحتُ وحمدتُ الحي إلى الأبد، الذي سلطانه سلطان أبدي وملكوتـه إلى دور فدور، وحسبـت جميـع سكـان الأرض كلا شـيء، وهوَ يفعـل كمـا يشـاء في جنـد السمـاء وسكاـن الأرض، ولا يوجـد مـن يمنع يده أو يقول له ماذا تفعل ” (دانيال 4 : 34 – 35).

وقادني هذا الكلام إلى التأمُّل في آيات أُخرى مُشابهة دوَّنها لنا الكتاب المُقدَّس:

” يُصدر أمرهُ إلى الأرض فتُنفِّذهُ بسرعة فائقة ” (مزمور 147 : 15).

” الله يمرُّ بي فلا أراه، ويجتاز فلا أشعر بهِ، إذا خطفَ من يردَّهُ أو يقول لهُ ماذا تفعل؟ ” (أيوب 9 : 11 – 12).

وسألت الرب حينها قائلاً لهُ:

” يا رب.. واضح من خلال هذه الآيات، ومن خلال الكتاب المُقدَّس، أنَّكَ المُتسلِّط على مملكة البشر، تصنع ما تشاء، وليسَ أحد يستطيع أن يقف في وجه مشيئتك وخططك، ولا يستطيع أحد أن يسألك ماذا تفعل؟

ونحنُ نمر في بلدنا في هذه الأوضاع الصعبة، والتي طالت مدتها، وطالت معها معاناتنا، وطال ٱنتظارنا لكي نرى مجدك في وسطنا، ونرى معجزاتك وعجائبك، ونرى النهضة تأتي والوعود تتحقَّق، والبرية تتفجَّر فيها ينابيع المياه، ونحنُ في العهد الجديد.. العهد الأفضل.. يكفي أن تقول كلمة واحدة فيتبدَّل كل شيء..

لكن لماذا لم نرَ بعد كل هذه الأمور تتحقَّق؟ “.

صدقوني بأنني سمعت صوت الرب في داخلي بوضوح وهوَ يقول لي:

” أنا لم أتغيَّر.. أنا حافظ العهد.. وأنا ساهر على كلمتي لكي أُجريها.. وعلى وعودي لكم لكي أُحققها.. نعم أنا لم أتغيَّر.. لكن المؤمنين هُم من تغيَّروا.. أينَ شدرخ؟ وأينَ ميشخ؟ وأينَ عبد نغو؟ وأينَ دانيال؟ “.

لم يُطلق الملك نبوخذناصَّر الكلام الذي أدرجناه سابقًا بصورة عشوائية، كما لم يُطلقهُ كونهُ نشأَ مؤمنًا بالله منذ طفولته.. لكن من أرغمهُ على إطلاقه كانوا شدرخ وميشخ وعبد نغو..

فماذا فعل أولئكَ الأبطال الثلاثة حينها؟

لقد أصدر نبوخذناصَّر أمرًا بعبادة تمثالاً من الذهب كانَ قد صنعهُ، كما أصدرَ أمرًا بإلقاء كل من لا يسجد لذلكَ التمثال في أتون نار مُتَّقدة.. لكن أولئكَ الأبطال لم يسجدوا للتمثال، وعندما جاءَ من يشي بهم إلى الملك، أحضرهم أمامهُ وقالَ لهم:

” فإن كنتـم الآن مستعديـن… إلـى أن تخرّوا وتسجـدوا للتمثـال الـذي عملتـه، وإن لـم تسجدوا ففي تلك الساعة تُلقون في وسط أتون النار المُتَّقدة ، ومن هوَ الإله الذي يُنقذكم من يديَّ ” (دانيال 3 : 15).

تحدَّى ذلكَ الملك إلههم.. عيَّر الرب أمامهم.. من هو الإله الذي ينقذكم من يديَّ؟

فعزموا.. ومهما كانَ الثمن أن يجعلوه يعرف من هوَ الإله الذي يُنقذهم من يديه.. فقالوا لهُ:

” … لا داعي لأن نُجيبك عن هذا الشأن، لأنَّ إلهنا الذي نعبدهُ قادرٌ أن يُنجِّينا من أتون النار المُتَّقدة، وأن يُنقذنا من يدك أيها الملك. وحتَّى إن لم يُنقذنا، فٱعلم يقينًا أيها الملك أننا لا نعبد آلهتك. ولا نسجد للتمثال الذي نصبته ” (دانيال 3 : 16 – 18).

أنتَ تسال من هو الإله الذي ينقذكم من يديَّ؟ إنَّهُ إلهنا نحن من ينقذنا من النار ومن يديك..

لكن.. هناكَ ما هوَ أبعد من ذلك بعد.. وحتَّى إن لم يُنقذنا، فٱعلم يقينًا أيها الملك أننا لا نعبد آلهتك !!!

وذلكَ الإله.. الذي قال عنهُ الملك حينها أنَّهُ يتمشَّى مع شدرخ وميشخ وعبد نغو في وسط النار، وهوَ شبيه بٱبن الآلهة.. كانَ الرب يسوع المسيح.. الذي أنقذ أولئكَ الأبطال الثلاثة.. الذين لم يحبوا حياتهم حتَّى الموت..

فأرغموا ذلكَ الملك أن يقول:

” … تبارك إله شدرخ وميشخ وعبد نغو، الذي أرسلَ ملاكه وأنقذَ عبيده الذين ﭐتكلوا عليه، وغيَّروا كلمة الملك، وأسلموا أجسادهم لكيلا يعبدوا أو يسجدوا لإله غير إلههم، فمنِّي قد صدرَ أمر، بإنَّ كل شعب وأُمَّة ولسان يتكلمون بالسوء، على إله شدرخ وميشخ وعبد نغو، فإنَّهم يصيرون إربًا إربًا، وتُجعل بيوتهم مزبلة، إذ ليسَ إله آخر يستطيع أن يُنجِّي هكذا ” (دانيال 3 : 28 – 29).

ماذا يقول الوحي؟

إله شدرخ وميشخ وعبد نغو !!!

الملوك والحكام والأشخاص البعيدين عن الرب، لن يُبهرهم كثيرًا التكلُّم عن الرب أو القراءة عنهُ.. لكن من سيُبهرهم ومن سيجعلهم لا يقفون مكتوفي الأيدي أو صامتين.. هوَ ما تقوم بهِ أنت.. هوَ عندما يروا إلهك في تصرفاتك، وفي ٱستعدادك أن تُظهرهُ لهم كما فعلَ أولئك الأبطال الثلاثة، الناس تُريد أن ترى يسوع فينا لا أن تسمع عنهُ فقط..

لقد سبقَ لنبوخذناصَّر أن ٱلتقى دانيال النبي، الذي فسَّرَ لهُ حلمًا لم يستطع كل السحرة والمنجمون أن يُفسِّروه.. وقد تأثَّر حينها وقال: حقًّا إنَّ إلهكم هوَ إله الآلهة ورب الملوك وكاشف الأسرار.. لكنَّهُ ٱنحنى أمام إلهنا عندما أدركَ أن عبيده وأتباعهُ مستعدُّون أن يموتوا من أجله.. وعندها فقط أصدرَ ذلكَ الأمر العظيم:

كل شعب وأُمَّة ولسان يتكلمون بالسوء، على إله شدرخ وميشخ وعبد نغو، فإنَّهم يصيرون إربًا إربًا، وتُجعل بيوتهم مزبلة، إذ ليسَ إله آخر يستطيع أن يُنجِّي هكذا..

فهل برأيك كانَ مُمكنًا لشدرخ وميشخ وعبد نغو أن يواجهوا ذلكَ الملك العظيم نبوخذناصَّر، بتلكَ الجرأة المُميِّزة، ويرفضوا السجود للآلهة التي أقامها حينها..

لو لم يُحبُّوا حياتهم حتى الموت؟

وهل برأيك كان مُمكنًا للنبي دانيال أن يُواجه أيضًا الملك العظيم داريوس، بتلكَ الجرأة المُميِّزة أيضًا، ويرفض السجود للآلهة التي أقامها حينها، لو لم يُحب حياته حتى الموت؟

طُرِحَ شدرخ وميشخ وعبد نغو في أتون النار.. وطُرحَ دانيال في جب الأسود.. والرب أنقذَ الجميع.. والنتيجة الأهم كانت:

– موت أعداء أولئكَ الأبطال الأربعة.

– وكلامًا قالهُ الملكان نبوخذناصَّر وداريوس، هزَّ الكون كلَّهُ، وما زال صداه يتردَّد حتى يومنا هذا.

قتلوا أعدائهم.. ربحوا الحرب.. غيَّروا كلام ملوك.. رفعوا ﭐسم إلههم بينَ شعوب وأُمم وألسنة، دفعوا الملكين لإصدار الأوامر بعبادة الرب، ومعاقبة من لا يفعل..

فقط لأنهم، وكما شهدَ الملك حينها:

” أسلموا أجسادهم لكيلا يعبدوا أو يسجدوا لإله غير إلههم “.

لأنهم لم يُحبُّوا حياتهم حتَّى الموت !!!

ولو عدنا الآن إلى الرسول بطرس، وسألنا أنفسنا لماذا أنكر بطرس الرب، بالرغم من قوله لهُ أنا مستعد أن أموت من أجلك؟

يبدو أنَّهُ قد رسمَ حدودًا لحربه من أجل الرب والملكوت.. لا يُريد أن يتخطَّاها..

قالَ بطرس، نعم لكل شيء.. إلاَّ الموت.. لأنَّهُ عند أول تهديد جدِّي لحياته.. أنكرَ الرب.. وأراد أن يفرض هذا المبدأ على الرب.. ” حاشاك أن تموت يا رب “.

فلقيَ من الرب أعنف رد مُمكن.. ربَّما لم يشهد الكتاب المُقدَّس مثلهُ:

” إذهب عنِّي يا شيطان “.

ليضع الرب بعدها مُعادلة جديدة:

من لا يُريد الموت من أجل الملكوت.. فهوَ يهتم بما للناس وليسَ بما لله !!!

ولهذا قال الرب لتلاميذه مباشرةً بعد حديثه مع بطرس:

من أرادَ أن يتبعني، فليحمل صليبه.. فليُقرِّر الموت أولاً..

ولهذا أيضًا نسمع الرب يقول لبطرس مباشرةً بعدَ قوله لهُ ” إرعَ غنمي “:

” الحقَّ الحقَّ أقول لكَ: لمَّا كنتُ أكثر حداثة، كنتَ تُمنطق ذاتك، وتمشي حيثُ تشاء، ولكن متى شخت، فإنَّكَ تمد يديك وآخر يُمنطقك ويحملك حيثُ لا تشاء، قالَ هذا، مُشيرًا إلى أيَّة ميتة، كان مُزمعا أن يُمجِّد الله بها، ولمَّا قالَ هذا، قالَ لهُ، ﭐتبعني ” (يوحنا 21 : 18 – 19).

قالها الرب لبطرس:

” عندما كنتَ يا بطرس حديث الإيمان، كنتَ ترسم حدودًا لحربك من أجلي، ومن أجل الملكوت كما تشاء.. وكنتَ تقول: أفعل كل شيء من أجلك يارب ومن أجل الملكوت، إلاَّ الموت.. ولهذا لم تتمكَّن أن تتبعني حتَّى النهاية، عندما وصلَ الأمر إلى حدود الموت، فأنكرتني.. لكن عندما تنمو، ستمد يديك تعبيرًا عن تسليمك الكامل، والتخلِّي عن الحدود التي رسمتها لنفسك، وآخر.. أي الروح القدس سيحملك إلى حيث لم تكن ترغب.. إلى الموت.. وعندما تُقرِّر ذلكَ ستستطيع أن تتبعني إلى أقصى الحدود “.

وهذا ما حصلَ لبطرس لاحقًا.. فنجحت خدمتهُ كما يشهد عن ذلكَ سفر أعمال الرسل ورسالتيه اللتين كتبهما..

ظلَّهُ كانَ يشفي المرضى.. ثمَّ ماتَ ميتةً مجَّدَ فيها الرب.

أحبائي: لقد ذهبَ الرب مع تلاميذه.. مع من يُريدون أن يُحاربوا ويمتلكوا الأرض ويُحرِّروها.. مع من يُريدون أن يروا الرب يُغيِّر الظروف والأوقات والأزمنة.. مع من يريدون أن يروا الوعود والنبوءَات والنهضة يتحققون.. مع من يُريدون أن يربحوا بلدهم ويروا السلام يعود إلى ربوعه.. ذهبَ معهم إلى أقصى الحدود.. الموت..

أن لا يُحبُّوا حياتهم حتَّى الموت.. وهوَ الثمن الأغلى الذي يُمكن لإنسان أن يدفعهُ..

وأعتقد أن هدف الرب من ذلكَ، إدراكهُ المُسبق، أنَّهُ إن قرَّر المؤمن التخلِّي عن حياته من أجل الرب.. فلن يصعب عليه التخلِّي عن أي أمر آخر !!!

ولهذا فأنا لا أريد أن يتبادر إلى ذهنك، بأنَّ الرب يُريد أن يموت أولاده، عندما يُقرِّرون العمل من أجل ﭐمتداد الملكوت وتحقيق مشيئته على هذه الأرض.. بل أن تُدرك أنَّهُ ينبغي على أولاد الله، أن يكونوا مستعدِّين للتخلِّي عن كل ما يطلبهُ الرب منهم لتحقيق قصده، وأن يكونوا مستعدين لتقديم أغلى التضحيات من أجل هذا الأمر، غير متمسِّكين بأي شيء يُمكن للعدو أن يساومهم عليه، ويبتزهم من خلاله لكي يُعطل مهمتهم..

فالرسول بولس قال لنا:

” شارك في ﭐحتمال الآلام كجندي صالح للمسيح يسوع. وما من مُجنَّد يُربك نفسهُ بشؤون الحياة، إذا رغبَ في إرضاء من جنَّدهُ “.

(تيموثاوس الثانية 2 : 3 – 4).

والمقصود بشؤون الحياة هنا، ليسَ عملك وﭐهتمامك بعائلتك وﭐحتياجاتها.. بل المقصود هيَ الأمور التي تُثنيك عن القيام بالدور الذي أوكلهُ الرب إليك.. فلا يُصبح العمل وكسب المعيشة وﭐقتناء المنازل وتلبية الدعوات الاجتماعية… وما إلى ما هنالك من الأمور المُشابهة.. هاجسك الوحيد في هذه الدنيا، فتنغمس فيها، وتُسلب منها.. ولا يبقى وقت لكي تعمل للملكوت.. لأنَّهُ إن تغلغلت هذه الأمور في داخلك، فهيَ لن تسلبك الوقت فقط..

بل ستسلب قلبك، وهُنا تكمن الخطورة، لأعود هنا وأُذكِّرك بقول الرب:

” لأنَّهُ حيثُ يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا ” (متى 6 : 21).

فمن يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء.. مُشتهيًا وشاغلاً قلبه بما ترك أو تخلَّى عنهُ سابقًا.. لن يستطيع إكمال الحرب قطعًا..

فشعب الله الذي أخرجهُ الله من أرض العبودية.. ووضعَ يده على المحراث، وبقيَ مُشتهيًا أرض مصر وعاداتها وتقاليدها، ولم يُقرِّر التخلِّي عنها، ولم يختر أن لا يحب حياته حتى الموت.. ناظرًا إلى الوراء كلما صعبت الحرب.. مات كله في البريَّة، ولم يدخل واحد منهم أرض الموعد..

وﭐمرأة لوط التي نبَّهها الله، أن لا تنظر إلى الوراء.. إلى أرض سدوم وعمورة، عندما أخرجها إلى أرض النجاة.. أصبحت عمود ملح وماتت، عندما نظرت إلى الوراء..

هل تُريد أن أن ترى ملوك يتغيَّرون؟ قرارات تتغيَّر؟ ظروف وأوقات وأزمنة تتبدَّل؟

هل تريد أن ترى يد الرب تُطلق بقوة في بلدك؟

هل تُريد أن ترى السلام والراحة والطمأنينة يعودون إلى بلدك؟

هل تريد أن تشهد نهضة كبيرة.. الوعود والنبوءَات تتحقق؟

هل تريد أن تزدهر خدمتك وتأتي بثمر كثير؟

إذًا.. إحسم الأمور في هذا اليوم.. كُنْ كشدرخ وميشخ وعبد نغو ودانيال..

كُنْ مستعدًا أن تموت كحبة الحنطة لكي تأتي بثمر كثير..

مُستعدًّا أن تتخلَّى عن كل شيء وتحمل صليبك وتتبع الرب كل يوم..

هكذا أشخاص.. لا يحبون حياتهم حتَّى الموت.. ويحسبون كل شيء نفاية أمام طاعة الرب بالكامل..

هم الأشخاص الذين يُغيِّرون كلام ملوك.. يُغيِّرون التاريخ.. ويُعدُّون الطريق لتدخلات الله الفائقة للطبيعة.. والتي تجعله في لحظة واحدة.. بغتةً يُحقِّق كل وعوده لنا !!!

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع