هذا التأمُّل اليوم، ليسَ تعليمًا فحسب، بل هوَ حاجة مُلِّحة يُشير إليها الروح القدس، في هذه المرحلة التي تخوض فيها الكنيسة حروبًا من أجل ٱمتلاك أراضي جديدة، من أجل ربح نفوس، من أجل تحقيق رؤيتها، من أجل إنقاذ بلد.. ومن أجل وأجل…

غالبًا ومن خلال ما يدور حول العالم بأجمعه، وما نسمعه ونعيشه جميعنا، نُدرك تمامًا بأنَّ الرعاة والقادة والخدام، يتعرَّضون دومًا لحروب شرسة، والأهم من كل ذلك أن أغلب المؤمنين، حتَّى لا أقول جميعهم، يقعون في خطأين شائعين:
الأول: يُحاربون قادتهم وينتقدونهم على الدوام، مُعدِّدين بصورة دائمة ضعفاتهم وتقصيراتهم وأخطاءَهم، سواء عن دراية أم عن غير دراية.

الثاني: لا يحمون قادتهم كما ينبغي.

أضرب الراعي فتتبدَّد الخراف..
ولأنَّ إبليس يعرف هذا المبدأ تمامًا، فهوَ يُهاجم هؤلاء القادة، بطريقة شرسة وبصورة دائمة، لكي يُضعفهم ويؤذيهم، فتتبدَّد الخراف، وهذا ما حذَّرنا منهُ الرب يسوع بنفسه عندما قال:
” لأنَّهُ مكتوب أنِّي أضرب الراعي فتتبدَّد الخراف ” (إنجيل مرقس 14 : 27).

ولكي لا نذكر الكثير ممَّا دوَّنهُ لنا الكتاب المُقدَّس عن هذا الموضوع، سنكتفي بذكر الحادثة الأهم، وهيَ عندما ألقوا القبض على الرب لمُحاكمته، تقول الكلمة لنا:
” … حينئذٍ تَركهُ التلاميذ كلّهم وهربوا ” (إنجيل متى 26 : 56).

أضرب الراعي أو القائد فتتبدَّد الخراف..
فمن يحمي القائد؟

ولعلَّ الغالبية العُظمى منَّا ستقول وعلى الفور:
” فليحمِ نفسه.. وليسلك بأمانة أمام الرب.. وليكن بلا لوم.. صاحيًا، عاقلاً، مُحتشمًا، مُضيفًا للغرباء، صالحًا للتعليم، غير مُدمن الخمر، ولا طامعًا بالربح القبيح، بل حليمٌ، غير مُخاصم، ولا مُحبًا للمال، يُدبِّر بيته حسنًا، لهُ أولاد في الخضوع بكل وقار…
أليست هذه هيَ الصفات التي ينبغي أن تتوافر في كل من يرغب أن يكون راعي كنيسة أو قائد، كما يُخبرنا الرسول بولس؟
(رسالة تيموثاوس الأولى 3 : 2 – 7).

نعم.. لكنها جزء من الحقيقة الكاملة..
فكلمة الله عندما تكلَّمت في بعض المواقع عن حماية القائد قالت:
” هوَّذا تخت سليمان، حولهُ ستون جبارًا من جبابرة إسرائيل، كلهم قابضون سيوفًا، ومتعلِّمون الحرب، كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل “.
(سفر نشيد الأنشاد 3 : 7 – 8).
ستون جبَّارًا.. يحرسون قائدهم.. ويرفضون النوم.. وقد تعلَّموا كيف يدافعون عنهُ ويحمونه.

كلمات أخرى:
” وأمرهم قائلاً: هذا ما تفعلونه، الثلث منكم الذين يدخلون في السبت، يحرسون حراسة بيت الملك، والثلث على باب سور، والثلث على الباب وراء السعاة، فتحرسون حراسة البيت للصدّ، والفرقتان منكم، جميع الخارجين في السبت، يحرسون حراسة بيت الرب حول الملك، وتُحيطون بالملك حواليه، كل واحد سلاحه بيده، ومن دخل الصفوف يُقتل، وكونوا مع الملك في خروجه ودخوله ” (سفر الملوك الثاني 11 : 5 – 8).
أوامر مُشدَّدة، ودقيقة، وهدفها الوحيد حماية الملك.. حماية القائد.. حماية الراعي…

ولنستمع إلى داود الملك ماذا يقول، عندما وقعَ الملك شاول في يده:
” فقال أبيشاي لداود: قد حبسَ الله اليوم عدوك في يدك، فدعني الآن أضربهُ بالرمح إلى الأرض دفعة واحدة ولا أُثني عليه، فقال داود لأبيشاي: لا تُهلكهُ، فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويتبرَّأ؟ وقال داود: … حاشا لي من قبل الرب أن أمدّ يدي إلى مسيح الرب، والآن فخذ الرمح الذي عند رأسه وكوز الماء وهلمَّ… ونادى داود الشعب وأبنير بن نير قائلاً: … أَمَا أنت رجل ومن مثلك في إسرائيل؟ فلماذا لم تحرس سيدك الملك؟ لأنهُ قد جاءَ واحد من الشعب لكي يُهلك الملك سيدك، ليس حسنًا هذا الأمر الذي عملت، حيٌّ هو الرب أنكم أبناء الموت أنتم، لأنكم لم تحافظوا على سيدكم، على مسيح الرب، فٱنظر الآن أينَ هوَ رمح الملك وكوز الماء الذي كان عند رأسه ” (سفر صموئيل الأول 26 : 8 – 16).

سُرِق رمح الملك الذي يرمز إلى السلطان، وسُرقت المياه التي ترمز للروح القدس، للمسحة.
لكنَّ المُلفت للنظر.. أنَّ كلمة الله لم تضع اللوم على الملك، بل على رجاله، على من كانَ يجب أن يحموه، لكنهم لم يفعلوا، وقالَ لهم داود أكثر:
” حيٌّ هوَ الرب، أنكم أبناء الموت أنتم، لأنكم لم تُحافظوا على سيدكم، على مسيح الرب “.

هل تحمي قادتك؟
هل تحرسهم وتحرس ما وضع الله بين أيديهم؟
هل أنتَ مستعد أن تُضحِّي، لن أقول بحياتك، بل بوقتك، براحتك، بمالك…
لكي تُنفِّذ طلباتهم وتمنياتهم وتوجيهاتهم، فتُفرح قلوبهم وتشجِّعهم؟
أم ليسَ لديك الوقت لذلك، بل لديك الوقت لتتكلم عليهم بالسوء وتكشف عوراتهم وتتلذَّذ بذلك؟
أسئلة أتركها بين يديك !!!

ما معنى أبناء الموت؟
ما معنى هذه العبارة التي قالها داود لمن لم يحموا قائدهم؟
وهل تعتقد أنك إن كنتَ على متن سفينة ومات ربانها أنك ستنجو في وسط البحر؟
وهل تعتقد أنك إن كنتَ على متن طائرة ومات قائدها أنك ستنجو؟
وهل نفهم بوضوح ما قاله الرب في سفر حزقيال؟
” حيّ أنا يقول السيد الرب، من حيث أنَّ غنمي صارت غنيمة، وصارت غنمي مأكلاً لكل وحش الحقل، إذ لم يكن راعٍ ” (حزقيال 34 : 8).

صارت الغنم مأكلاً للوحوش، هدفًا سهلاً لإبليس وأجناده، إذ لم يكن راعٍ..
مهما كانت الأسباب لعدم وجود راعي، أو لعدم تمكن الراعي من القيام بدوره، فالنتيجة هيَ المهمة، أننا سنكون أبناء الموت، فريسة لهجمات مملكة الظلمة.. فلنكن حذرين !!!

رجال نيام.. فسُرِقَ قائدهم !!!
والقصة نفسها تكررت في العهد الجديد مع الرب، في الساعات الأخيرة قبل صلبه، عندما قالَ لتلاميذه:
” … أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة ” (إنجيل متى 26 : 40).
وقد تقول لي:
” حتى ولو سهروا، لما ٱستطاعوا أن يفعلوا شيئًا، فالرب كانَ سيُصلب بأي حال، لكي تتم خطَّة الفداء “.
لكنني أقول لكَ، إنَّ الرب بالرغم من معرفته لما تقوله، فقد قالَ لهم هذا الكلام، فيا ليتك تسألهُ لماذا فعل ذلكَ؟

# ما بينَ داود وشاول.. وبينَ داود وأبشالوم.
شاول.. ملك رفضهُ الله.. وأرسل النبي صموئيل إلى بيت داود ومسحهُ ملكًا مكانهُ.. وفي نظر الله أصبحَ داود هوَ الملك الفعلي والحقيقي..
لكن دواد كان مُختلفًا.. وفي كلامهِ الذي ذكرناه قبلَ قليل.. يقول لقائد جيشه الذي عرضَ عليه قتل الملك شاول بعدَ وقوعه في قبضتهم، هذا الكلام المُعبِّر:
” لا تُهلكهُ، فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويتبرَّأ؟
حاشا لي من قبل الرب أن أمدّ يدي إلى مسيح الرب “.

كان لهُ قلب مُحب.. وقلب حكيم في الوقت نفسه..
قلب مُحب.. يقول: حاشا لي أن أمد يدي على مسيح الرب..
وقلب حكيم.. يقول: من يمد يدهُ إلى مسيح الرب ويتبرَّأ..
فهل لكَ هذا القلب؟ القلب الذي يُحب قائده ويحيمه مهما كان الثمن.. والقلب الحكيم الذي يُدرك أنَّهُ لن يتبرَّأ إن حاول إيذاء أو خيانة قائده؟ وهل نُدرك جميعنا المعنى الدقيق لهذا الكلام:
” ‎فلم يدع إنسانًا يظلمهم، بل وبَّخَ ملوكًا من أجلهم، قائلاً: لا تمسُّوا مُسحائي ولا تُسيئوا إلى أنبيائي ” (المزمور 105 : 14 – 15).

أمَّا أبشالوم ﭐبن داود الملك، فلم يكن لديه لا القلب المُحب.. ولا القلب الحكيم..
فخانَ الملك.. وليسَ أي ملك.. بل والده بالتحديد.. فكانَ مصيره الموت !!!

آدم وحواء، شكُّوا في صلاح الله، شكُّوا في محبته لهم، شكَّوا في توجيهاته، كذَّبوه وصدَّقوا إبليس، فعصوا عليه وتمرَّدوا..
فهل كان لدى الله ضعفات وأخطاء تُبرِّر ما فعلاه تجاهه؟
أحبائي: جميعنا لدينا هذا الميل، ميل ٱنتقاد القادة، ٱنتقاد الغير في أي موقع كانوا، لتبرير أنفسنا وإلقاء اللوم على آخر كائنًا من يكن..

أحبائي: فلنسمح لقادتنا بأن يكون لهم ضعفاتهم وعوراتهم، كما يسمح الله لنا بذلك ويتعامل معنا برحمته ونعمته الغنيتين، ولا نتوقَّع أن يكونوا كاملين، إنهم بشر، ومعرضون أكثر منَّا للضعف والتقصير بسبب حروب العدو الشرسة ضدهم، وبسبب ضغط الخدمة وأعبائها..

ولنُدرك تمامًا ما قاله الرب للذين يريدون دومًا أن ينزعوا القش من عيون غيرهم، بأن ينزعوا أولاً الخشبة التي في عيونهم، لكي يروا جيدًا، ومن ثمَّ يُعالجون الأمور بطريقة الرب..

لقد أخطأ نوح بكل تأكيد.. عندما سكر وتعرَّى في خيمته.. لكننا نرى أنَّ كلمة الرب لم تُركِّز على خطأه، بل ركَّزت على طريقة تعامل أولاده مع هذا الخطأ..

حام كشف عورة أبيه، وذهب يُخبر عمَّا فعله أبوه..
لكنَّ سام ويافث أخذا الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يُبصرا عورة أبيهما.
(تكوين 9 : 22 – 23).
فنال حام لعنة رافقته وما زالت تُرافق نسله..
أمَّا سام ويافث فنالا بركة، رافقتهما وما زالت تُرافق نسليهما..

رداء في العهد القديم يستر العورات لكي لا تُرى، ومحبة أخوية نابعة من الرب الذي سكبها في قلوبنا بالروح القدس، تستر كل الذنوب والضعفات والخطايا:
” البُغضة تُهيِّج خصومات، والمحبة تستر كل الذنوب ” (أمثال 10 : 12).

” ولكن قبل كل شيء، لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة، لأنَّ المحبة تستر كثرة من الخطايا ” (بطرس الأولى 4 : 8).

أحبائي: قادتنا يتعرضون لأعنف الهجمات.. راعي الكنيسة يتعرَّض لأعنف الهجمات.. قادة فريق التشفُّع يتعرَّضون لهجمات.. الخدام يتعرَّضون لهجمات.. الشعب كلّه يتعرَّض لهجمات..
فهل سنتوقف عن كشف عورات بعضنا البعض، والتركيز على ضعفات قادتنا، ولا نقوم بحمايتهم، فيُضرب الراعي ونتشتَّت ونغدو مأكلاً لوحوش البرية.. وأبناء الموت نُدعى؟
أم ماذا؟

أحبائي:
إنها الحرب بكل ما لهذه الكلمة من معنى..
وفي الحروب يتحد الشعب كرجل واحد.. ويقفون سدًّا منيعًا في وجه عدوّهم.. يحمون بعضهم البعض، ويُدافعون عن بعضهم البعض، ويُقاتلون إلى جانب بعضهم البعض، لكي يربحوا المعركة..
فلنحمِ قادتنا.. نُحبهم.. نُشدِّدهم.. نُشجِّعهم.. نستر عوراتهم.. نُصلِّي من أجلهم.. نتشفَّع لهم..
فنجاحنا من نجاحهم.. وفشلنا من فشلهم.. وعندما ينهزمون.. سننهزم معهم.. لا بل سنتشتَّت وسنُصبح مأكلاً لوحوش البرية.. ونخسر الحرب.. ونخسر الأرض.. ونخسر النفوس.

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع