الأحد 22 حزيران 2008

نحن نستسلم لروحك لكلمتك في هذا الصباح، ونضع أنفسنا بين أيديك الأمينة مبارك اسمك القدوس.

نقرأ من انجيل يوحنا الاصحاح 12 العدد 32 الآية التالية:

” وأنا ان ارتفعت أجذب اليّ الجميع ” ومشاركة اليوم هيَ بعنوان ” أجذب اليّ الجميع “.

هذه الآية تحمل لنا اعلانات جميلة وعظيمة. هناك أربع معجزات حصلت في الكتاب المقدس في آن واحد، وهذه المعجزات هي نتيجة لحدث عظيم جدًا أراد الله من خلاله أن يهزّ البشرية جمعاء ألا وهو الصليب. اذ عندما مات الرب يسوع المسيح على الصليب حدثت المعجزات التالية:

– زلزلة عظيمة.

– انفتاح القبور وقيامة بعض الأموات.

– انشقاق حجاب الهيكل.

– وأخيرًا حدوث ظلمة لمدة ثلاث ساعات بالرغم أن القمر كان بدرًا.

أراد الله أن يعلن للبشرية بأن هناك عملاً عظيمًا سيتم على الكرة الأرضية ألا وهو الصليب. كان هذا الموضوع يشتعل في قلبي منذ مدة، والصليب معروف عند الناس، وفيهم من اختبر الصليب وعمق قوته ومعانيه في قلوبهم وحياتهم، ومنهم من يعرفه بالاشارة فقط. لقد دفعني الرب لأتكلم حول هذا الموضوع ليشتعل معنى الصليب في أعماقنا لأنه أساس حياتنا المسيحية. كنا نتكلم كثيرًا عن الحرب الروحية والاختراقات، وقد أكد لي الرب ضرورة التحدث عن هذا الموضوع اذ كان أيضًا موضوع رسالة الكنيسة المطبوعة مؤخرًا.

السماء والسماويات والروحيات مختلفة تمامًا عن الأرض والأرضيات والجسديات. لكن هناك حلقة وصل واحدة بين السماء والأرض ألا وهي الصليب. لن ترى وجه الله ولن تتعرف الى الله ولن تذوق السماء ولن تتكلم لغة السماء الا من خلال الصليب. لقد أراد الله بمشيئته الالهية أن يضع حلقة وصل بين الأرض السماء فكان الصليب. هل تريد أن تعرف الرب؟ هل تريد أن تُبنى روحيًا وتختبرالسماء وترى الله؟ اذهب الى الصليب. لقد وضع الرب في أعماقنا حنين وشوق، ونحن نحاول بجسدنا وأفكارنا الأرضية أن نشبع هذا الحنين والشوق، ولكن هل نقدر أن نفعل ذلك؟ المال لا يشبع هذا العطش ولا الشهرة ولا العلم والثقافة.. هناك أناس انتحروا لأنهم لم يقدروا أن يملأوا هذا الشوق والحنين العميقين..

لا يعرفون من أين مصدره؟ يخبرنا الكتاب المقدس في انجيل يوحنا الاصحاح 3 : 1 – 21 عن نيقوديمس الذي كان عضوًا في مجلس السنهدريم، أي رؤساء الكهنة اليهود، شخص له موقعه الهام في المجتمع آنذاك، كان يعرف التوراة وتاريخ الأمة اليهودية، نيقوديمس هذا لم يأتِ الى يسوع لو لم يكن هناك حنين داخلي حقيقي في أعماقه، وكان يفتش عن طريقة لاشباعه وملئه والا لكان مكتفيًا بما كان عنده. ولكن ولأن هذا الحنين والشوق الى الله كان يغلي في أعماقه لذلك ذهب الى يسوع ليلاً. (وقد عرف واختبر أن يسوع وحده يملأ هذا الشوق والحنين) نراه عند الصليب عند موت يسوع. عندما ترك التلامذة يسوع ظهر نيقوديموس.. عند الصليب هرب الجميع، لم يظهر سوى نيقوديموس ويوسف الراميّ اللذين أخذا جسد يسوع ودفناه. لم يعر أهمية للكهنة ولا للأمة اليهودية وحتى لو طردوه خارج المجمع الأعلى الذي كان عضوًا فيه لم يهتم لأنه وجد في يسوع ما كان يفتش عنه وملأ به قلبه عند الصليب.

وأنت أنا أقول لك حتى لو سافرت عبر الكرة الأرضية مفتشًا عما يملأ قلبك فلن تجده الا عند الصليب. ستجد الراحة والسلام الذي وعد به الرب أن يعطيه لكل من يؤمن به. لنرجع الى نيقوديموس، قال له الرب يسوع: لن تقدر أن تدخل ملكوت الله ان لم تولد من فوق.

لم يفهم نيقوديموس كلام يسوع. فحاوره الرب باللغة التي يفهمها قائلاً له: أنت تعرف التوراة فلنتكلم من التوراة، هل تذكر يا نيقوديموس؟ كما رفع موسى الحية في البرّية هكذا ينبغي أن يُرفع (كلمة رفع جاءت في اليونانية ” هيبسو “)، هكذا يُرفع (هيبسو) ابن الانسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. كأنه يقول لنيقوديموس: أول شيء يوجد الصليب، بعد الصليب هناك الولادة الثانية أي الولادة بالروح أو الولادة من فوق، ثم دخول ملكوت الله..

لنعد الى يوحنا 12 العدد 32 ” وأنا ان ارتفعت (هيبسو) أجذب اليّ الجميع “، والمقصود بكلمة ارتفعت أي عُلّقت على الصليب، وليس صعودي الى السماء، لأنه بالصليب جذب الرب يسوع الجميع الى السماء.. أي أن الصليب هو وسيلة الجذب الوحيدة الى السماء، بكلمة أخرى ان مغناطيس البشرية هو الصليب. والذي يرفض الصليب هو لا يُعلن رفضه فحسب بل هو يرفض مع مقاومة.. عندما نسمع أن هناك من سيذهب الى الظلمة الخارجية قد نقول: ان قلبك قاسٍ يا الله لماذا سترسل الناس الى هناك؟ ولكن الله محب والمسؤول عن الذهاب الى الظلمة الخارجية هو الانسان نفسه وليس الله لأنه يرفض الصليب ويقاوم مغناطيس الصليب بكل قوته وعقله وقدرته وارادته.

نفس تعابير الوصية الأولى التي تقول: تحب الرب الهك بكل قوتك وعقلك وقدرتك وارادتك ولكنها معكوسة.

الانسان رفض جذب الصليب. لنقرأ هذه الآية من جديد ” وأنا ان ارتفعت أجذب اليّ الجميع، قال هذا مشيرًا الى أيّة ميتة كان مزمعًا أن يموت “.

وآخر آية عن (هيبسو اي الارتفاع) مأخوذة من انجيل يوحنا 8 العدد 28 ” قال يسوع: متى رفعتم ابن الانسان حينئذ تفهمون أني أنا هو “.

وكلما أقرأ في الكتاب المقدس عن تصريح الرب يسوع عن لاهوته أهتز من أعماقي. عندما يقول يسوع أني ” أنا هو ” أرتعب. حينئذٍ على الصليب ستفهمون أني أنا هو الذي أهيه في القديم أي أنا هو الله (كما قال لموسى في سفر الخروج الاصحاح 3 العدد 14).

ولن تفهموا الله الا من خلال الصليب. ولن ترى الله الا من خلال الصليب ولا يحق لك أن تدخل الى محضر الله الا من خلال الصليب. ما أقوم به اليوم هو اعلان هذه الحقائق التي تعرفونها لتشتعل في قلوبكم من جديد. وأنفض الغبار عن الأساسات التي نبني عليها ايماننا. أشكرك أيها الرب الاله من أجل نعمتك. لقد أنعم الرب علينا والنعمة هي أن الله يعطينا بدون أن نستحق وما لا نستحق كما كان راعي كنيستنا يعظ الأحد الفائت. يا رب أنا لا أستحق ألمك على الصليب ولا أستحق موتك، لكن الرب قد أنعم عليك ورحمك بالصك لقد كان عليك، وهو بمثابة دين عليك كان ينبغي أن تموت أنت فمات المسيح بدلاً عنك. هناك فاتورة ستبرز أمام عرش الدينونة في اليوم الأخير، وهذه الفاتورة لا يقدر أحد أن يدفعها الا بالايمان بصليب ابن الله يسوع المسيح.

اذا غصنا في الأمور الفلسفية والروحية نعود فنرتكز على أساس واحد هو الصليب. ان الصليب هو الحل، ومن أجل ذلك يقول الكتاب المقدس ” رفع الصك مسمّرًا اياه على الصليب “.

اذا لم تأتِ الى الصليب، لن تُدفع الفاتورة التي عليك.

أشكرك يا رب من أجل نعمتك ورحمتك. لأن الصك الذي عليّ قد دفعته عني. أشكرك من أجل حكمتك. الله حكيم. الحكمة أيضا ظهرت في الصليب. عندما أقول الصليب أنا لا أقصد الخشبة بل عمل الصليب. علقت يافطة على الصليب تقول:

” يسوع ملك اليهود “، ومعنى هذه اليافطة كان للسخرية، لأن بمجرد أن صلب هذا الملك فقد انتهى ملكه. اذا عُلّق الملك انتهت المملكة. ولكن حكمة الله عكست الموضوع بالصليب، اذ ان ملكوت الله قد ابتدأ. العكس تمامًا قد حصل. ملكوت الله بدأ بالصليب. نشكرك يا الله من أجل حكمتك. الصليب هو ختم الهزيمة لمملكة الظلمة التي ما ان فهمت ان الصليب هو بداية لملكوت الله وليس انقضاءه بموت المسيح صعقت وأعلنت هزيمتها.

أعرف مدرّس اسمه ” طوني ” دعاني وزملائي الى مكتبه ليرينا برنامجًا جديدًا على الكمبيوتر، يتناول وضع المجرات والكواكب ومن خلاله نقدر ان نرجع بالزمن الى الوراء لنرى كيف كانت السماء في هذه السنة أو تلك، وكانت تظهر لنا الكواكب والنجوم بصورة أو بأخرى الى أن وصلنا الى سنة 33 ميلادية وبالتحديد ساعة صلب المسيح، فبانت الشمس والقمر يقتربان من بعضهما، وفي اللحظة التي صلب فيها المسيح تطابق الكوكبان فوق بعضهما وأصبحا نقطة سوداء. نشكرك يا رب من أجل حكمتك لأنك تبرهن الصليب لكل الأجيال حتى لجيل اليوم الذي هو جيل الانترنت والأقمار الاصتناعية وحتى بعد مئة سنة سيبرهن الله الصليب بطريقة أخرى لأن الصليب هو أعظم حدث بتاريخ البشرية جمعاء.

نشكرك يا رب من أجل عدالتك، هناك لعنة عليك وعليّ لو لم يكن هناك الصليب. نحن خلقنا تحت اللعنة بانفصال عن الله نتيجة خطيئة آدم. عدالة الله اقتضت أن يدفع الرب يسوع على الصليب ثمن اللعنة وتأتي مكانها بركة، ومن يريد بركة فليأتِ الى الصليب. ليس هناك بركات خارج اطار حلقة الوصل بين الأرض والسماء وهو الصليب. من أين ستأخذ البركة؟ كل ما في الأرض فانٍ وزائل وبركاتك من السماء.. لقد قرأت في كتاب الجملة التالية: إن الصليب لم يعد عارًا بل مطلبًا وعنوانًا للمجد. للمسيح أولاً ثم للمسيحيين.

محبة الله ظهرت في الصليب. لم يرد الله شيئًا سوى خلاص البشرية. لم يكن عنده غاية سوى خلاصك لأنه يحبنا ومحبته ظهرت في الصليب. لو كان عند الرب غاية أخرى لسكن في القصور خلال حياته على الأرض. الصليب يسبّب أوجاعًا وآلامًا لا تُحتمل، وهو الطريقة الأكثر تعذيبًا للموت، ويسبب الاختناق البطيء، ولكن لحظة انفصاله عن الآب كانت الأكثر صعوبة وعذابًا ووجعًا للابن.. كل ذلك لأنه يحبنا.. لقد ترك المجد الذي كان له عند أبيه ونزل الى الأرض وصار انسانًا آخذًا صورة عبد، صائرًا مثلنا ولكن بلا خطيئة.. والذي كان له على الأرض قد تركه لآخرين: لأنه يحبك ويحبني يقول لنا: ولدت في مذود للبقر ولم يكن لي سريرًا أنام فيه.. لم آتِ لأية غاية سوى لكي أخلصك.. المركب الذي صعدت فيه لم يكن لي، الأتان الذي ركبتها عندما دخلت أورشليم كملك لم تكن لي بل كان حمارًا مستعارًا، والعلية حيث تناولت العشاء الأخير مع تلاميذي لم تكن ملكي.. وأخيرًا القبر الذي دفنت فيه كان مستعارًا.. ثيابي على الصليب اقترعوا عليها، تركت أمي ليوحنا الحبيب، وتركت جسدي لنيقوديموس ويوسف كي يدفنوه، وتركت روحي بين يدي الآب السماوي عندما قلت له: بين يديك أستودع روحي..

ترك لنا السلام: ” سلامي أترك لكم سلامي أعطيكم ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب “.

لذلك لن تعرف السلام الا عند الصليب. وأنهي بالنقطة التالية:

اذا لم تجد شيئًا تشكر الله عليه قل له: شكرًا لك يا رب لأنك خلقتني، وشكرًا لأجل الصليب. لا تقدر أن تتقدم أمام عرش النعمة لتصلي دون أن يكون الصليب مركز تفكيرك. يقول الرسول بولس: ” حاشا لي أن أفتخر الا بصليب يسوع المسيح ” اذا وُجدت مع مجموعة وكان عليك أن تصلي أنظر الى الصليب فتجد بركات عديدة تشكر الله لأجلها. تجد نعمة في الصليب فتقول: أشكرك يا رب من أجل نعمتك اذ مات يسوع المسيح لأجلي. على الصليب تجد رحمة لأن الصك أي الدين الذي علينا، اذ كان يجب أن نموت نحن وليس المسيح عملاً بالآية: لأن أجرة الخطيئة هي موت، ونحن خطاة أموات في الخطايا والذنوب وقد دفع يسوع المسيح ديننا. على الصليب ترى العدالة: أشكرك يا رب لأجل عدالتك حكمتك ومحبتك..

عندما تنظر الى الصليب ترى كل هذه البركات.. سأعترف لكم بشيء: في أول ايماني كنت أحضر اجتماع للشباب وكنت أخجل وأخاف من أن يُطلب مني أن أصلي. وفي كل اجتماع كان يُطلب من كل شخص أن يصلي بالتتابع الى أن قصدت المسؤولة عن الاجتماع ورجوتها أن لا تطلب مني أن أصلي. كل ذلك لأني لم أكن أرى الصليب.. اذا وضعت الصليب أمام عينيك يهتز كيانك كله فتفيض روحك وقلبك وكيانك بالشكر فتقول: شكرًا لك يا رب لأجل الصليب.. نعظمك نباركك.. أرجوك أن تضع الصليب نصب عينيك وترى حينئذٍ كيف تصبح صلاتك.

” وأنا ان ارتفعت أجذب اليّ الجميع ” آمين.

الأخ ميشال شالوحي

تعليقات

لا تعليق

الاسم:
البريد الاكتروني:
الموقع الالكتروني:
اضف تعليق:
 أضف تعليق 

صور ونشاطات

أخبار الكنيسة - عرض الجميع


Warning: array_splice() expects parameter 2 to be long, string given in /home/aoglb/public_html/wp-content/themes/rayoflight-theme/functions/other.php on line 36

المزيد